54

0

الصيرفة الإسلامية في الجزائر.. من الاجتهاد الفقهي إلى التقنين المؤسسي ورهان الثقة الاقتصادية

 

بقلم: الحاج بن معمر

لم تعد الصيرفة الإسلامية في الجزائر مجرّد تجربة مصرفية موازية أو استجابة ظرفية لطلب اجتماعي محافظ، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مسار تشريعي ومؤسساتي متكامل يعكس تحوّلاً عميقاً في فلسفة التنظيم المالي.

هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن السياق الاقتصادي العام الذي تعيشه البلاد، ولا عن التحولات الاجتماعية التي دفعت بشريحة واسعة من المواطنين إلى المطالبة ببدائل مصرفية متوافقة مع قناعاتهم الدينية، الأمر الذي جعل من التجربة البنكية الإسلامية موضوعاً يتقاطع فيه الفقه بالقانون، والاقتصاد بالهوية، والتشريع بالثقة المجتمعية.

فمنذ تأسيس بنك البركة الجزائري في مطلع التسعينيات، كأول مؤسسة مصرفية تقدم خدمات مالية متوافقة مع أحكام الشريعة، بدأت ملامح مسار طويل من البحث عن مواءمة بين المنظومة القانونية الجزائرية ذات الطابع الوضعي، وبين خصوصيات المعاملات المالية الإسلامية القائمة على تحريم الفائدة واعتماد صيغ المشاركة وتقاسم المخاطر.

غير أن تلك المرحلة الأولى بقيت محدودة التأثير نسبياً، إلى أن جاء التحول الأبرز مع إدراج الصيرفة الإسلامية ضمن الإطار التنظيمي الرسمي لبنك الجزائر، والسماح بفتح “نوافذ إسلامية” داخل البنوك العمومية والخاصة، ما منح هذا النشاط بعداً مؤسساتياً واضحاً وأخرجَه من دائرة التجربة المنعزلة إلى فضاء التنظيم الوطني الشامل.

ويؤكد عدد من الأكاديميين أن التقنين القانوني للصيرفة الإسلامية في الجزائر، شكّل نقطة مفصلية في مسارها، إذ يرى أستاذ القانون المالي بجامعة الجزائر، الدكتور محمد بن عيسى، أن “أهم ما ميّز المرحلة الجديدة هو الانتقال من شرعية الطلب الاجتماعي إلى شرعية النص القانوني، فالتشريع هو الذي يمنح الاستقرار ويضمن استدامة النشاط بعيداً عن الاجتهادات الفردية”، مضيفاً أن إدماج المنتجات الإسلامية في المنظومة المصرفية الخاضعة لرقابة بنك الجزائر خلق نوعاً من التوازن بين المرجعية الشرعية ومتطلبات الامتثال المالي الدولي.

من جهته، يذهب الخبير الاقتصادي الدكتور عبد القادر سليماني، إلى أن التجربة الجزائرية في تقنين الصيرفة الإسلامية لم تكن مجرد استجابة لضغط شعبي، بل كانت جزءاً من رؤية أوسع لامتصاص الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام البنكي، حيث يقول: “الاقتصاد الموازي في الجزائر كان يستنزف السيولة ويحدّ من فعالية السياسة النقدية، والصيرفة الإسلامية وفّرت جسراً لإعادة دمج هذه الأموال في الدورة الرسمية دون صدام ثقافي أو ديني مع المجتمع”.

هذا الطرح يجد صداه في الواقع، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم السيولة المكتنزة خارج البنوك كان يشكل نسبة معتبرة من الكتلة النقدية، وهو ما جعل من تطوير أدوات مالية مقبولة مجتمعياً أولوية اقتصادية.

غير أن التحدي الأكبر لم يكن في إطلاق المنتجات بحد ذاتها، بل في ضبطها قانونياً بما يضمن عدم تعارضها مع القوانين السارية، خاصة فيما يتعلق بالعقود والضرائب والضمانات، وهو ما تطلّب اجتهاداً تشريعياً دقيقاً لإدراج صيغ المرابحة والإجارة والمشاركة ضمن إطار قانوني واضح يحدد الحقوق والواجبات ويضبط آليات الرقابة.

ويشير أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة وهران، الدكتور ياسين بوعلام، إلى أن “التقنين الناجح للصيرفة الإسلامية لا يعني فقط السماح بتسويق منتجات تحمل تسميات شرعية، بل يستلزم بناء منظومة رقابية مزدوجة تجمع بين الرقابة البنكية التقليدية والرقابة الشرعية المتخصصة”، مؤكداً أن وجود هيئات شرعية داخل البنوك خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى مزيد من الاستقلالية والتنسيق المركزي لتوحيد المعايير ومنع تضارب الفتاوى.

في السياق ذاته، يبرز دور بنك الجزائر في ضبط الإطار التنظيمي للنوافذ الإسلامية، حيث تم تحديد طبيعة المنتجات المسموح بها وآليات احتساب الأرباح، بما يضمن الشفافية وحماية المستهلك، وهو ما اعتبره خبراء نقلة نوعية في تاريخ التشريع المصرفي الوطني.

ويرى المحلل المالي كريم لعور أن “الرهان الحقيقي للصيرفة الإسلامية في الجزائر ليس فقط في حجم الودائع أو عدد الحسابات المفتوحة، بل في قدرتها على تقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني عبر تمويل قطاعات منتجة تعتمد على مبدأ تقاسم المخاطر بدل منطق الفائدة الثابتة”، موضحاً أن هذا النموذج، إذا طُبّق بصرامة، يمكن أن يساهم في توجيه التمويل نحو الاقتصاد الحقيقي بدل المضاربات قصيرة الأجل.

وعلى الصعيد الاجتماعي، أسهم التقنين القانوني في تعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات البنكية، إذ شعر كثيرون بأن الدولة اعترفت رسمياً بخيارهم المالي، ما خفّف من التوجس التاريخي تجاه التعامل البنكي، خاصة لدى الفئات المحافظة. وتؤكد الباحثة في علم الاجتماع الاقتصادي، الدكتورة سميرة قادري، أن “الصيرفة الإسلامية في الجزائر ليست مجرد آلية مالية، بل ظاهرة اجتماعية تعبّر عن رغبة في التوفيق بين الحداثة الاقتصادية والمرجعية الدينية، والتشريع القانوني منح هذه الرغبة إطاراً رسمياً يحميها من العشوائية”.

ومع ذلك، لا تخلو التجربة من تحديات، أبرزها محدودية الابتكار المالي مقارنة بالتجارب الدولية، وضعف الثقافة المصرفية لدى بعض المتعاملين الذين قد لا يميزون بين جوهر الصيغ الإسلامية وأسمائها فقط، ما يفرض على البنوك الاستثمار أكثر في التوعية والتكوين. كما يطرح بعض المختصين مسألة الحاجة إلى تطوير سوق للصكوك الإسلامية في الجزائر، بما يسمح بتمويل مشاريع البنى التحتية الكبرى وفق صيغ متوافقة مع الشريعة، ويقلل من الاعتماد على التمويل التقليدي.

ويعتبر الدكتور سليماني أن “إصدار صكوك سيادية سيكون الاختبار الحقيقي لمدى نضج التجربة التشريعية، لأنه سينقل الصيرفة الإسلامية من مستوى المنتجات الفردية إلى مستوى السياسات المالية الكلية”.

وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية، تبقى مسألة الامتثال للمعايير الدولية في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب تحدياً إضافياً، ما يفرض على الصيرفة الإسلامية الجزائرية أن تثبت قدرتها على الجمع بين الخصوصية الشرعية والانفتاح على النظام المالي العالمي.

وفي المحصلة، يمكن القول إن التجربة البنكية للصيرفة الإسلامية في الجزائر انتقلت من مرحلة الاجتهاد المحدود إلى مرحلة التقنين المؤسسي، حيث أصبح لها سند قانوني واضح، ورقابة تنظيمية، وقبول اجتماعي متزايد.

غير أن مستقبلها يظل رهيناً بمدى قدرتها على تجاوز الطابع الشكلي لبعض الممارسات، وتكريس فلسفة المشاركة والعدالة التي تقوم عليها نظرياً، مع الاستمرار في تطوير الإطار التشريعي بما يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

إن الصيرفة الإسلامية، في جوهرها، ليست بديلاً تقنياً فحسب، بل مشروعاً اقتصادياً ذا أبعاد قيمية، والتشريع القانوني هو الضامن لتحويل هذا المشروع من خطاب نظري إلى ممارسة مؤسساتية مستدامة تعزز الثقة، وتدعم التنمية، وتفتح أمام الاقتصاد الجزائري آفاقاً جديدة تجمع بين الأصالة والفعالية.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services