173
1
الحرب ورمضان.. إلى أين!؟
بين منابع الظلم وصراع الهيمنة : المأزق الأمريكي والخدعة الإسرائيلية

بقلم: مصطفى محمد حابس: جينيف / سويسرا
والأمة المسلمة في شهر رمضان المبارك شهر الرحمة والغفران، ها هي الحرب تكدر صفوها، متسارعة من منطقة الى أخرى، دون اعتبار لمعتقدات الناس، ونحن اليوم في منتصفه، بل ما هي إلا أيام معدودات، ويكون قد رحل، بينما الحرب مستمرة في هدر دماء الأبرياء وهتك الاعراض والدوس على الكرامات والحصون، دون أن يحسب لها الظالمون أي حساب!!
بهذه المعاني الهمجية الغريبة والمتضاربة، علينا أن ندعو الله السلامة للبلاد و العباد، ونقرأ تاريخ الأمة المسلمة بعين ونبكي بعين، ونحن في شهر الرحمة و التراحم، وفي ظلّ ما تشهده المعمورة من تصعيد خطير، وتوتر كبير، أفرزتها الحرب بالوكالة التكنولوجية ضد شعوب مسلمة "آمنة" خصوصا أهالينا في إيران ولبنان ومنطقة الخليج، قد تُشعل صراعاً شاملاً - لا قدر الله – ندفع فيه جميعا ثمناً باهظاً.
استوقفتني مقولتين بالغتين، عن رمضان والحرب !!
أمام هذا المشهد المقلق و المخيف و في شهر القرآن، استوقفتني مقولتين، الأولى عن العناية وحسن ضيافة شهر رمضان، إذ أن أجمَل وَصف لـرمضَان قَرأته كما يكون قرأه غيري، هو وَصف الإمام ابن الجَوزي - رحمه الله - حِينمَا قَال عن الشهر الفضيل: " رَمضَان بَين الشُّهور كَيوسُف بَين إخوتِه، فكمَا أنَّ يُوسف أحبّ الأولَاد إلىٰ يَعقُوب كَذلك رَمضان أحبّ الشُّهور إلى عَلَّام الغُيوب، رمضان بين أحد عشر شهراً، كيوسفَ بين أحد عشر كوكباً، فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجب، ولا تبيعوه بثمن بخسٍ بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، ويكون لنا شفيعاً يوم الحساب."
و المقولة الثانية التي استوقفتني أيضا، ذكرني بها بعض شبابنا و هم يعدون لتظاهرة أمام مبنى الأمم المتحدة، مقالة لأحد الكتاب المعاصرين، قوله :" لا خوف على قتلى المسلمين الضعفاء فهم يحسبون شهداء، بل الخوف من خذلان الأقوياء، فلله سنة أن عقوبته على خذلان الأقوياء أشد من بلائه على الضعفاء"!!
رغم دكانة المشهد، تبقى هناك محطات مشرقة من تاريخنا في هذا الشهر الفضيل
على ضوء المقولتين، أحببت أن نستذكر معا بعض محطات التاريخ الإسلامي المشرقة في هذا الشهر الفضيل والحرب تدق أجراسها بجد لا مزاح فيه، حيث لا يجب أن يغيب عن نباهتنا أن رمضان شهر يزخر بالكرامات والبطولات والتضحيات والانتصارات، حيث شهدت فترات مجيء النبي (صلى الله عليه وسلم) وما بعد عصره العديد من الانتصارات الإسلامية في رمضان تحديدا، مما يعزز مكانته كشهر قوة وفتح، ومن أمثلة انتصارات رمضان وبركاته ونفحاته الايمانية، نذكر منها ما يلي:
- في رمضان أُنزل القرآن هادياً للناس وبينات من الهدى والفرقان،
- وفي الحادي عشر من رمضان عقد رسول الله ﷺ أول لواء للجهاد،
- وفي رمضان من السنة الثانية للهجرة فرض الجهاد،
- وفي السابع عشر منه في السنة الثانية للهجرة كانت معركة بدر الكبرى،
- وفي الحادي عشر من رمضان السنة الثامنة للهجرة فتح المسلمون مكة،
وفي عصر الخلفاء الراشدين:
كانت معركة القادسية (15 هـ/636 م)، التي انتصر فيها سعد بن أبي وقاص على الفرس شر هزيمة، مما مهد لفتح العراق والمدائن.
كما كانت معركة اليرموك (15 هـ) التي هزمت فيها الجيوش الإسلامية الروم، فتحررت الشام بأكملها.
وأما في العصور الوسطى:
- كان فتح الأندلس (92 هـ/711 م) بقيادة طارق بن زياد في 28 رمضان، حيث هزم الملك لذريق وفتحت الأندلس للإسلام قرونًا، كما هو معروف.
- وفي معركة حطين (583 هـ/1187 م): انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين، فتحرر القدس بعد 90 عامًا من الاحتلال.
- وفي معركة عين جالوت وفي رمضان (658 هـ/1260 م): قادها سيف الدين قطز وبيبرس، هزم المغول الذين دمروا بغداد، فأنقذ الإسلام وانتصر فيها المسلمون على المغول فوق أرض فلسطين.
- وفي ذات الشهر رسمت الثورات الجزائرية المتعاقبة أنصع الصفحات التاريخية للتضحية، أمام عدو فرنسي غاشم متجدد، في مدة تزيد عن قرن و32 سنة.. كما يذكر ذلك في مقال مطول، أستاذنا الكبير، وسيد اللغة العربية دون منازع، العلامة الجزائري الأمازيغي (من ضواحي دلس- حاليا تابعة لولاية بومرداس)، مازن المبارك حفظه الله، والمقيم اليوم في بلاد الشام، شقيق العلامة محمد المبارك، صاحب الكتاب المعروف "الإسلام أمام المذاهب والعقائد".
هذه الأمثلة تظهر نمطًا تاريخيًا للانتصارات في رمضان، مرتبطًا بالعزيمة الإيمانية رغم جهد ومشقة الصيام في مناطق صحراوية قاحلة، دون مكيفات عن حر ولا واقيات من قنابل!!
تصعيد أمريكي صهيوني يُهدد بتدمير المعمورة
ونحن في منتصف شهر رمضان شهر الرحمة والغفران، وما تشهده المعمورة من تصعيد خطير، وتوتر كبير ضد شعوبنا المسلمة في إيران ولبنان ومنطقة الخليج خصوصا، فبالإضافة للقتل العشوائي الجماعي وبالآلاف، تشمل مخاطرها الاقتصادية العالمية، الرقمية، والعسكرية، حيث تُهدد بتدمير المعمورة، بداية بالبنى التحتية وارتفاع أسعار النفط، الى ندرة المواد الغذائية جراء قلة المياه وتعثر الرحلات البحرية والجوية ونحن في شهر يكثر يكثر فيه الطلب ويقل فيه العرض ...
لا ننسى أن الشعوب المسلمة والمسالمة عموما عب العالم كانت منذ أشهر تراقب مجريات الأحداث في غزة لفض النزاع والعودة الى الحياة السلمية لشعب فلسطيني أنهكته الحروب، ها هي قوى الشر الكبرى تضرم النار مجددا ونحن في بداية رمضان 1447 هـ (فبراير-مارس 2026)، بل تصعيداً عسكرياً أمريكياً إسرائيلياً ضد إيران ولبنان لم يسبق له مثيل، مع هجمات إيرانية ضعيفة مضادة على بعض القواعد الأمريكية المتمترسة في دول الخليج، مما يفاقم معاناة المسلمين في المنطقة. هذه الحرب تحول الشهر الكريم من الرحمة إلى النقمة، حيث تُشن بكثافة هذه الايام غارات إسرائيلية على جنوب لبنان والبقاع وأخرى على اليمن وإيران، مسفرة عن عشرات بل مئات الشهداء والجرحى في أيامه الأولى. كما أطلقت إيران من جهتها أزيد من 500 صاروخاً نحو الخليج، مما يُهدد الاستقرار الإقليمي ويُثير رعباً بين المدنيين والعزل!!
في لبنان، أدت الغارات الإسرائيلية إلى نزوح آلاف العائلات، خاصة السوريين عبر الحدود، مع تدمير بنى تحتية يعتمد عليها الصائمون للإفطار والسحور..
حين يتقاطع الظلم بالمصالح : المأزق الأمريكي والخدعة الإسرائيلية.
بينما يرى محللون أن إسرائيل نصبت على أمريكا وأوقعتها في شباك مأزق حتى لدى مواطنيها، ترفض إدارة ترامب الادعاء بأن إسرائيل جرّتها إلى الحرب، لكن الضربات جاءت بعد تقديرات إسرائيلية بتهديد إيراني وشيك، مما يُظهر تبعية واشنطن لتل أبيب. من جهتهم ندد علماء من العالم الإسلامي بالجبن والخوار لحكام العرب وأنظمة الحكم في عالمنا الإسلامي عموما، رفع علماء عقيرتهم بما أسموه بالـ"استعلاء الصهيوني الأمريكي" الذي يُشعل فتنة تُدمر الأمة قاطبة، مع رفض هجمات إيران على الخليج أيضاً. هذا المأزق يُكلف أمريكا اقتصادياً وسياسياً، حيث تُدار دفاعات الخليج بأطقم أمريكية، مما يُعرّضها للخسائر دون مكاسب واضحة، بل يذهب خبراء الى القول بأن أمريكا لن تتراجع الا إذا وجهت لها ضربات داخلية سياسية من عقر دارها، يقودها الشعب الأمريكي وبعض نخبه المسالمة التي ترفض الحرب وتطالب بتحسين المعيشة داخل الولايات المتحدة الامريكية وفض مشاكل البطالة والاعتناء بصحة المواطنين، بدل الهرولة الى الأمام بقرارات سياسية عشوائية في كل المناطق للاعتداء حتى على الجيران والحلفاء.. لان الضغط الشعبي العالمي والإنساني، عبر حملات إعلامية تُبرز اليوم خاصة تكاليف الحرب الباهظة (اقتصادية وعسكرية). ولا يُمكن أن يُجبر ترامب وشلته على إعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط وعدم الولوغ في مستنقع الحروب. إلا بدعوات صادقة لحقن الدماء كما يُوصي بذلك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بوقف التصعيد الإقليمي وحماية المدنيين.
بيان من علماء الأمة حول أحداث الحرب الجارية في منطقة الخليج
تحت هذا العنوان جاء بيان "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، والذي وقعه علماء وصفوا أنفسهم بــ "علماءَ ودعاةَ الأمة والعاملين للإسلام من أبنائها "، مبينين " أن أمريكا وحلفاءها الصهاينة ليس لهم دافع لهذه الحرب إلا الظلم؛ فإن إيران لم تظلمهم ولم تتعرض لهم، بل فعلُهم هذا ظلم واعتداء مردوا عليه، وقد مارسوه سابقاً حين غزوا أفغانستان والعراق وغيرهما، مما يعدُّ ظلماً وجوراً تحرِّمه الشرائع كلها".. أن هذه الحرب صليبية صهيونية بامتياز، تستهدف في مآلاتها الإسلام في عقر داره، وأمتَه في عمق عمقها، حيث المقدَّسات الإسلامية، ومقدرات الأمة، وثرواتها، وثقلها الديمغرافي، والتاريخي، والحضاري"..
مبينين أن أقلُّ الواجب في هذا المقام استنكار هذا العدوان، ورفض هذا الإجرام، بقولهم: " ونحن في الوقت الذي ندرك فيه حقيقة مشروع النظام الإيراني، وما اقترفه في بلاد المسلمين السنة، فإننا نرى في الوقت نفسه أن استهداف إيران من قبل التحالف الصليبي الصهيوني هو استهداف خارجي لبلد من بلاد المسلمين له حرمته، وأهميته، بغضِّ النظر عن النظام الذي يحكمه."..
هذه الحرب حلقة من سلسلة حروب، وجزء من تاريخ صراع الشعوب
موضحين موقفهم من هذه الحرب المجنونة، بقولهم، " أن هذه الحرب ليست مجرد نزاع محدود، بسبب خلاف سياسي عابر بين إيران من جهة، وأمريكا ودولة الاحتلال من جهة أخرى.. وإنما هي حلقة من سلسلة حروب، وجزء من تاريخ صراع، وليست حدثاً منفصلاً، ولا أمراً منعزلاً" !!
جازمين أن ما قامت به أمريكا، وحليفتها دولة الكيان الصهيوني من قصف لمدن، ومواقع، وأهداف عسكرية ومدنية بدأت في إيران - ولا ندري أين ستنتهي- هو أصرح وأوضح صور العدوان، والطغيان الذي يميِّز سياستهما تجاه الإسلام والمسلمين، وهي ذات السياسة التي تنبذ وراء ظهرها كلَّ الشرائع السماوية، والقيم الأرضية، والأخلاق الإنسانية، والقوانين الدولية، والأعراف البشرية التي يتبجحون بالتمسك بها، والحديث عنها!!
حرمة المشاركة في هذه الحرب الظالمة، أو دعمها ومساندتها
مطالبين بحرمة المشاركة في هذه الحرب الظالمة، أو دعمها ومساندتها بأي شكل من الأشكال، وفي أيِّ مستوى من المستويات، يُعتبر مشاركة فيها، وفي تحقيق أهدافها الإجرامية ضد الإسلام وأهله."
معترفين بأنه من المفارقات أن القواعد العسكرية الغربية الموجودة في منطقة الخليج، والتي أقيمت بحجة تأمينها، هي التي يتسبب وجودها اليوم في القصف الذي تتعرض له عواصم دول المنطقة."
مقرين أنه " من المؤسف أن هذه الحروب الطاحنة التي تطاير شررها في بلاد المسلمين، هي صراع على الاستحواذ على المنطقة من أصحاب المشاريع المختلفة، في ظل غياب كامل لأي مشروع إسلامي حقيقي" .. وأن هذا الوضع المزري يستوجب من أهل العلم والعمل، والغيورين على الدين، وحملة الدعوة، وأصحاب الرأي العمل على عودة الأمة إلى دينها، وإقامة الدين، وتحكيم الشرع، والأخذ بأسباب القوة، والوحدة ونبذ أسباب الفرقة والنزاع بينهم.
مع ضرورة اللجوء إلى الله بالتوبة والاستغفار في هذا الشهر الفضيل، والذكر والدعاء لكشف الكربات، ودفع المكروهات، وتفريج الهموم، وكشف الغموم، والتمسك بالكتاب والسنة، والصبر على الحق، والثبات على الدين والدفاع عن الأوطان.. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!!

