12

0

من المسرح الإسلامي المعاصر…القيم الإيمانية في مسرحية “شيء عن الموت” للدكتور عماد الدين خليل*

بواسطة: بركة نيوز

الجزء الأول

بقلم د.محمد مراح

نعتذر ابتداء للقراء الكرام إن صحبناهم في رحلة عن الموت الذي يمثل الحقيقة الكونية الكبرى التي تلاقت البشرية على الإذعان لحكمه الله راغبة في ذلك أو راغبة عنه، رغم اختلاف الأزمنة والعقائد والأجناس : الموت ؛ إنه الحقيقة التي غابت في مجاهلها عقول الإنسانية، حين حاولت استكناهه، التطلع إلى ما وراء اللحظة الأخيرة، لحظة الفصل بين عالمي الغيب والشهادة .

إلا أن توارد هذه الخواطر المتصلة بمحاولة معرفة حقيقة الموت ، لا تمثل الموضوع الرئيس لمسرحيتنا، فموضوعها صلته بالموت غير هذه، فقد عرض المؤلف من خلال نماذج بشرية حالة الإنسانية وهي عارية من القيم الإيمانية الراسخة تجاه الموت المرتقب  الذي لا يفصل بينهم وبينه غير لحظات .

موجز أحداث المسرحية إلتقاء الدكتور رياح بطالب مغربي على ظهر سفينة من الجزائر نحو مارسيليا .

أما الدكتور رباح هذا فهو جزائري أخصائي نفساني ، وأما الطالب المغربي فهو يؤم فرنسا للحصول على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة ليون ، يلتقيان على غير سابق موعد ولا معرفة، ومن حديث الطالب مع الدكتور تفتح له أفاق رحبة تترى له من خلال ذاك الحديث و يمضي الحوار بينهما مُتّأدا معرجا على موضوعات مختلفة في الفلسفة و الدين و علم النفس و العلم و الاجتماع ، يسوقهما اليها اقتراح الدكتور رباح على الطالب المغربي موضوع رسالته و هو {ظاهرة الموت} ،يمثل طرفا النقاش وجهتين متقابلتين تقابل تضاد في النظر الى حقيقة الموت و جدوى دراسته بصفته ظاهرة ممتدة الى عالم الغيب او {الميتافيزيقا}على حد تعبير الطالب المغربي. فجأة يعلن قائد السفينة عن إصابة سفينته بعطب في أسفلها لارتطامها بجسم مركبة قديمة مركزة في الأعماق ,مما نتج عنه تسرب المياه بغزارة الى الطابق السفلي,وهنا نجد الركاب الذين كانوا يخنقون جوّ السفينة المتهادية بضجيج الموسيقى و العزف و الرقص،  يصابون بالصدمة والخوف والهلع. فتكون الفرصة بذلك مواتية للطالب المغربي إذ يرغبه الدكتور في الالتحاق بالصالة لمعاينة الركاب، و قد أخمد هذا النبأ المفجع ضجيجهم، لكن الطالب نفسه تخور عزيمته و تسّاقط أمام ناظريه أماله العراض، وتنتعش الخرافة القابعة بين خبايا نفسه تتحين مثل هذه الفرص لتعلن عن نفسها ؛لكأنّ خرافة {الحظ التعس} تسخر من إدعائه الكاذب للعلمية التي كان يتقعر بها قبل حين ، لكن الدكتور يرد بعض الثقة و اليقين لنفسه فيندفع الى الصالة ليرقب حالة المسافرين. لكنّا نتبين من كلام الدكتور مع {الكابتن إدريس} قائد السفينة أن المسألة لا تعدو أن تكون تجربة متفق على إجرائها مسبقا ليقف الدكتور على حقيقة النفس الإنسانية عارية تواجه الموت، ثم يطلب منه التصعيد أكثر في الوضعية ، فاذا نحن أمام مرحلة أخرى للوضع؛ اذ يعلن القائد عن الفشل في محاولة تصليح العطب و تمكن الماء من الطابق الأول,فيفقد الجميع الأمل في النجاة رغم خيط الأمل الذي حاول القائد ابقاءه  لهم،ورغم المحاولات الفاشلة من بعض المسافرين  لبعث شعاع خافت من الأمل في النفوس الملتاعة.

وهنا يدخل الدكتور نفسه لمعاينة الحالة، فنقف على نماذج تكاد تكون موحدة النمط، وهي تتهاوى تحت ثقل النبأ، لكن الحالة سرعان ما ينجاب دخانها عن النفوس؛ فإذا الطبع الإنساني الأول  ينتفض في النفس ليعود صاحبها سيرته الأولى، فلا يخرج من التجربة خلقا جديدا ، غير الطالب الذي استعاد الثقة والأمل الرافدين الأساسين للعلم والكشوف العلمينة ، فتتفتح شجرة الأمل في نفسه .

ولا تفوتنا الإشارة إلى وجود بعثة دبلوماسية جزائرية يروع القائد جلد أصحابها  وتقواهم ، والتزامهم جانب الثبات ، بل واستعدادهم للتضحية إن اقتضى الأمر.

خلال هذه الأحداث يتهادى الحوار المسرحي تهادي سفينة حينا ، ويتلوى متخبطا متساوقا مع الفزع الذي تمكّن من ركاب السفينة حينا آخر . فنطلع من كل ذلك بنماذج للنفس البشرية وهي تشرف على الحقيقة الأزلية “الموت ” تَقْدُمُ عليه على حين غفلة، فإذا الحال غير الحال ؛ الفزع يتمكن من النفوس التي كانت قبل قليل  سادرة في مهامه اللهو والعزف والرقص والشراب، تضآلت لديهم دائرة الحياة ، وصغر حجمها .

وقبل التعرض إلى محتويات المسرحية ، والقيم الفكرية النفسية والجمالية والإيمانية، نحب أن نقف عند شخوصها الرئيسسين :  فالدكتور رباح يمتاز بالاتزان والرصانة ، وسعة أفق الفكر، ورحابة الصدر المتلآلآ بالإيمان المشع، لكل هذا فهو عميق الإيمان، سليم التصور، بعيد الغور في الإحاطة بخبايا النفس البشرية ، ومستويات التفكير، خاصة لدى الإنسان المثقف في عالمنا الإسلامي، يحكم ذلك كله دقة  فكر، ومنهجية علمية لاشطط فيها  ولا مغالاة ، ثم هو هذا كله يحمل بين جنبيه قلب فنان مرهف الحس، ملتهب المشاعر فياضها .

أما الطالب المغربي فهو نموذج المثقف في العالم الإسلامي تفتحت مداركه العقلية على ثقافة الغرب ، ومناهجه في التفكير ، وأساليب العيش، مما جعل منه “نسخة مشلفطة ” حسب تعبير الشهيد سيد قطب رحمه الله للإنسان الغربي ، فأصبح لا هو بالغربي أصلا وفكرا وروحا، ولا هو بالشرقي المسلم فكرا وقيما وسلوكا، فهو نموذج مركب تركيبا غير متجانس ، مما يدعو أولئك وهؤلاء إلى ان ينكروا الانتساب إلى أحدهما .

فهو معتد بما تعلمه على أيدي أساتذته المتغربين ، متعصب لمحفوظاته، على حد تعبير الدكتور رباح ، غير قابل لمناقشتها أو التزحزح عنها قيد شعرة. وهو مع إدعائه العلمانية ما أن يعلن عن حدوث الشق بالسفيتة وإشرافها على الغرق حتى تتيقظ في نفسه “المحفوظات” التي تلقاها في مجتمعه عن “الحظ” و”الشؤم”، فيكشف بذلك عن شخصيتين متناقضتين: واحدة “علمية” وأخرى “خرافية”، لكن بعد الذي عاناه في السفينة يطلع من التجربة وقد تخفف من الغلو في العلمية، وأطّرح الخرافة ، واقتنع بالفكر الصحيح، فاستنار يالثقة والأمل .

ولا يذهبن بأحد الظن أن الكاتب  افتعل الشخصيتين افتعالا ، مما قد يوحي بأنهما موجودتان اقتعالا لا حقيقة وواقعا؛ فحياتنا تزخر  بأمثلة النموذجين، خاصة على مستوى المثقفين في ساحتنا الثقافية والعلمية .

فالمسرحية من خلال المحور الرئيس للأحداث تعرض لنا صورة من صراع الأفكار في البلاد العربية والإسلامية ؛فيها الفكر المادي الذي يحصر نفسه في ظواهر الأشياء ، وفيها الفكر الممتد إلى ما وراء المادة، الفكر الذي يحارب الخرافة من جهة، وينعى على “الحواسيين” ماديتهم ، فيتجاوز كل ذلك مهتديا بإيمانه وواقعيته في التفكير والنظر.وفيها إشارات إلى الفكر الماركسي ومحاولاته صب الإنسان في قالب واحد تمّحى فيه أي أثارة من تميز نفسي وفكري او سلوكي.

و طبيعي ألا يعرض المؤلف الأفكار كلها على نحو يوحي بسلبيته تجاهها ؛ فهو أديب له رسالة يوظف لها فنه، ينطلق من تصوره الذي يفسر  على ضوء الحياة والأفكار والأحداث ، فلا غرابة أن يتجه إلى تسفيه  الأفكار المخالفة لتفكيره ، ومعتقده ، لايدفعه إلى هذا مآرب شخصي ،ولا نفع مادي أو معنوي زائل . إنما هي العقيدة المستعلية وتمكنها ، والتعلق بالمثل الأعلى ، وعرض ما يتوفر عليه من فكر نقي ، وعقيدة سوية ، ودعوة البشرية للتخفف من ضلالاتها وأوزارها .

هذا المنهج في معالجة القضايا مستمد من المنهج القرآني الأصيل ؛ فهو لذلك إحدى العلامات البارزة  بروزا  لا تخطئه العين المتتبعة لحركة الأدب الإسلامي؛ لأن الإيماء وهو أداة فنية أبلغ في تحريك النفس والفكر نحو تتبع الأصلح والأمثل . وإدراك الإنحراف في الفكر والشعور والسلوك على مستوى الفرد والمجتمع .

أما الموضوع الرئيس الذي أدار الكاتب حوله الأحداث فهو  كما قلنا   ردود فعل  “عينة بشرية” تجاه حدث الموت ، وقد وقفنا على نموذجين  متناقضين من الناس؛ فالذين كانت تستخفهم اللحظة العابرة بما تحمله في طياتها من بهرجة وصخب وضجيج ، أصبحوا بمجرد الإعلان عن الخطر كومة من اللحم ملقاة في الأركان، تنتظر النتيجة المفجعة بعيون بلهاء، ونفوس توقفت عند لحظة انقطاع الأمل ، وعقول فقدت شعلة التفكير .

أما الذين عركتهم الخطوب ، واستنارت قلوبهم بنور الحق ، وارتفع عن بصائرهم الحجاب الصفيق بين اللحظة العابرة والأمد السرمدي ؛ لحظة الحياة الغاربة، والآخرة المقبلة الممتدة عبر الغيب ، هؤلاء ظلوا على قدر كبير من يقظة الفكر ، وإشراق النفس؛ فلم يفتهم أداء الواجب تجاه ربهم {منظر أعضاء البعثة الجزائرية الديبلوماسية ، وهم يؤدون صلاة العشاء}، ولا واجب الإيثار {طلبهم التضحية بأنفسهم إذا اقتضت الأحداث ذلك} !

وبين هؤلاء وأؤلئك فئة ثالثة لم تأت على تماسكهم الأحداث كليا، ولم يتمكنوا من التخفف من مرض الأثرة؛ فآثروا أنفسهم بالإنقاذ دون الشيوخ والصبية والنساء إذا أتيحت لهم فرص الإنقاذ .

هذه بعض الأفكار ، وبعض القيم النفسية المنبثة في طيات الأحداث ، والحوار عرضنا لها على أنها محور الأحداث من جهة، ومجلى نفوس الشخصيات ، وما تنم عنه سلوكات أصحابها .

بقي لنا الوقوف على بعض القيم الإيمانية  التي وظف لها الكاتب عمله المسرحي، وهنا  نود الإشارة إليه ؛ مؤداه أننا نعمد فيما ندرس من نصوص أدبية لبيان القيم الإيمانية، فنجعلها من صميم الدرس، فلا تمام له إلا بها؛ وهذا ليقيننا برسالية الأدب عموما، والأدب الإسلامي على وجه الخصوص، فالأدب فيما نحسب ذو رسالة معينة أراد الأديب ذلك أم أبى، حتى الأدب الذي يصور فيه صاحبه نفسه، ومشاعره ، وأحداثا و أراء وقفا عليه ، إنما هي بريد بينه وبين قارئيه ، فإن هي أخطأت التأثير في هذا أصابت مراميها من ذاك، فيكون هذا الأدب بالتالى “أدبا رساليا” .

وطبيعة الأدب الإسلامي تساوقا مع المنهج الذي يستمد من مصادره “أدب رسالي” تتمثل رسالته في كونه أدبا موجها لا يتصل بالحدث النفسي أو الفكري أو الواقعي ، فيسجله كما هو أو بإضافات يضيفها إليه ثم يقف من كلّ ذلك موقف من لا يعنيه شيئ من الأمر، ويعول على القارئ ليتولى أمر نفسه في أخذ أو إطراح ما يراه .

أذن الأدب الإسلامي لنفسه يوما ما بمثل هذا الموقف فقد تخلى عن سمة من أهم سماته التي يجب ان يمتاز بها . فهو إلى جانب التصوير الصادق للحدث يحدد موقفه  منه بصورة تعبيرية فنية بحتة تبتعد عن الوعظ والتلقائية المفرطة .هذه واحدة، والأخرى أن هذا الأدب أدب طليعي يحمل في طياته تصورا معينا للكون والحياة ، والإنسان، والأحداث ، يضع نصب عينيه قيما عليا متميزة عن غيرها من القيم، يطبعها الإنسجام مع الكون ونظامه، تشع منها أنوار القيم العليا التي يطبعها الإنسجام مع الكون ونظامه. لكل هذا لا عجب أن تلاحظ توظيف مثل هذه القيم في الأدب الإسلامي، فيشارك الأدب بذلك في بناء الحضارة الإسلامية المنشودة ، ولا عجب أ ن نحاول الكشف عن تلك القيم، ونحن  في كل ذلك نحاول اقتفاء أثر   الدكتور عماد الدين في كتابه “في النقد الإسلامي المعاصر” .

 

 

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

* هذا المقال كتبته سنة ،1988 ، في ريعان الشباب في 26 من العمر،ونشرته جريدة الشعب في حلقات ،ولمّا كانت دلالاته لا تزال حية دالة على  خصائص ومميزات الأدب الإسلامي  و رسالته  في الحياة ، عرضت على الموقع {بركة نيوز } الأصيل الواعد الطموح نشره ، فإن هم واقفوا على هذا فهو الكرم والفضل، وإن اعتذروا فالعذر موصول على أي حال .

أما الدكتور عماد الدين خليل [  1941  ــــ أطال الله عمره ، وشفاه من سقمه ] المفكر والمؤرخ والأديب العراقي  أحد أكبر المفكرين المسلمين في القرنين العشرين والواحد والعشرين  فسوف اعرف به شبابنا في مقال مستقل قريبا إن شاء الله .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services