11
0
من المسرح الإسلامي المعاصر القيم الإيمانية في مسرحية “شيء عن الموت” للدكتور عماد الدين خليل*

الجزء الثاني
بقلم الدكتور محمد مراح
القيم الإيمانية : المسرحية في إيجاز {فصل واحد في 39 صفحة من الحجم الصغير} مثقلة بالقيم الإيمانية، تشعر وأنت تتابع حوارها وأحداثها بالمصدر الذي يصدر عنه المؤلف، وهو المتمثل في المصدر الذي ينبثق عنه التصور الإسلامي .ونحاول فيما يأتي الوقوف على بعض تلك القيم :
1ـــ صلة الإنسان بالكون والطبيعة صلة متميزة في حس المسلم؛ فهو في وفاق معها، يرى فيها انسجام وتوافق السنن، مما يضاعف في نفسه الشعور بالتحرر من قيود العبودية للظواهر الكونية والطبيعية أو مناصبتها العداء، كأنما هي سيف القدر المسلط على رقبته يتحين الفرص للنجاة !فصلة المسلم بالكون على هذا صلة متميزة لا ريب في ذلك . وهذا ما نلمسه لدى الدكت ور رباح :” إن الامتداد اللانهائي للبحر والسماء وزرقتها النقية كالبلور ، يجعلان الإنسان يقف في قلب التجريد … إنه نقيض الاكتظاظ والتخمة الشيئية التي يحاصرنا بها عصر التكاثر هذا … إنني أكاد أضع يدي على إحساس نقي منفرد، طالما أفلت من بين يدي ، وأنا أتخبط في الزجام … إنه التحرر من الشد الثقيل الذي يرهن الناس ، ويفتت وجدانهم ، التحرر الذي يغسل ريق القلب… ” {ص6} .
2 . وحدة العلوم :مهما تباينت أهداف العلوم وميادين بحثها فإنها تلتقى عند نقطة واحدة هي البحث فيما يتصل بالإنسان صلة ما، ولفائدته. هذه القيمة إذا تناولناها من منطلق إيماني استحالت نبراسا يهدى الإنسانية للحقيقة ، كما يسكب في القلوب المكدودة برد اليقين .
3.صورة مثالية للسلوك الدعوي: لا خير في أن يتمثل الأديب المسلم في أعماله صورا سلوكية مثلى هدفها الأخذ بيد الإنسان الضائع. والصورة الماثلة أمامنا تستحق منا التسجيل لأمرين هما : الأول : أنها وردت في النص دون أن نشعر مع ذلك بالوعظ المباشر. الثاني : أنها صورة حية في حسن المعاملة ، وإتيان المدعو من حيث لا يظن أن يُؤتى .
الحق أن الصورة في ذاتها بسيطة ؛ فقد دعا الدكتور صاحبه الطالب المغربي إلى شرب شيئ، فاعتذر الطالب، وطلب قنينتين من الخمر، لم يثر الأمر الدكتور؛لإدراكه وضع الطالب النفسي والسلوكي ، وإنما جره إلى تناول كوب من الشاي ممزوج بالحليب ليرطب الحلق، هكذا هي الصورة السلوكية بسيطة، لكن دلالتها لا تخلو من ظُرف وطرافة ،فهنا ظرف وتلطف في التجاوز عن خطأ الطالب، وهناك لمحة ذكية في الارتفاع به عن الخطيئة التي اعتادها ، وذلك بأن يشاركه شرب المباح الطيب .
- مناقشة الفكر المادي الحسي : المسرح بطبيعته الفنية ، وخاصيته الحوارية مجال رحب لطرح الأفكار و مناقشتها: لذا فالدكتور رباح يطارح صاحبه مناقشة رؤيته المادية للأشياء، وتفسيرها وفق رؤيته ، مثال ذلك ثقته المفرطة في الحواس ، وكونها الوسيلة الوحيدة لإدراك الحقيقة، ومنه مناقشة حقيقة الموت ببعديه المرئي والخفي .
- تسفيه الفكر الخرافي : الخرافة واجهة مضللة عن حقيقة الدين؛ لذا يلجأ إليها الجهلة والعوام فيخلطونها بالدين ، وبلجأ إليها مرضى النفوس والعقول ليصوروا الدين من خلالها ما يشبه الشعوذة؛ مستهدفين تشويه حقائقه الناصعة .
ومن مهام الأديب المسلم إزالة الزيف وعرض الحقائق ؛ فلا نعجب أن يوظف لهذا الغرض فنه دون أن يفقده الجمال والواقعية؛ فالدكتور رباح يقابل تشاؤم صاحبه المغربي بِردّه إلى الحقيقة ، ودفعه لمواجهة الأحداث دون التقهقر نحو هذه السلبية المقيتة :” بدلا من هذا التشاؤم من النظرة السالبة يمكنك التشمير عن ساعد الجد … إنها فرصة ذهبية “[ص19] .
- الأمل : إنه قيمة إيمانية تتطلع النفس المؤمنة لمعانقته ، متى تمكنت منه أذنت لصاحبها بمواجهة الحياة و الأحداث في ثبات ويقين؛ إذ الأمل في الله تعالى ، الأمل في لقائه ، الأمل في جني ثمرة العمل الصالح، كل هذا دفع للمرء المسلم لعمارة الأرض .
رمز الأمل في عملنا الأدبي هذا غرس الفسيلة والموت يفغر فاه ، الفسيلة التي قد تغدو شجرة خضراء هناك في دار القرار ، إنه ربط لطيف بين الدارين، فالمسلم لا ينكص عن أداء مهمته وهو يواجه النهاية :” سواء أكتب لنا أن نصل أم لا، فإن علينا أن نعمل حتى آخر رمق في حياتنا:[ص20] . بهذا دفع الدكتور رباح الطالب المغربي للعمل .
7.قيمة الحياة البشرية في تنوع المواقف وتهافت محاولة توحيد أنماط السلوك الإنساني : هذه هي النظرة الإسلامية لقيمة الحياة الإنسانية ، أما غيرها من النظرات فمُمْعَنة في التطرف الرامي لتوحيد أنماط السلوك ، فهي نظرة أقل ما يقال عنها أنها منحرفة مصادمة للفطرة الإنسانية والنظام العام الذي يحكم الكون والحياة ؛ نظام التباين والتنوع، بل إنها قضية على قدر من الأهمية الداعية لإفرادها بعمل أدبي إبداعي أو أكثر .
8.وضعية البعثة الدبلوماسية الجزائرية : قد يتساءل أحدهم عن سبب إدارج هذه البعثة في مثل هذا الموقف ؟ الحق أن الكاتب حرٌّ ابتداء في اختيار شخوص عمله ، وما على القارئ أو الناقد إلا الحكم عن مدى توفيقه في ذلك أو إخفاقه .
وقد جاء اختياره للبعثة الدبلوماسية موفقا لحد بعيد؛ إذ أن أفراد البعثة كانوا بالأمس من رجال جيش التحرير الوطني الجزائري، كان الموت يتنظرهم في كل مكان و حين ، فليس غريبا عنهم أنهم لمّا آذنهم في عرض البحر لم يلقوا له بالا ، بل ثبتت أقدامهم ، واستعدوا للتضحية بنفوسهم ، إذا اقتضى الأمر في سبيل إنقاذ بقية الركاب ؛ فحياة الجهاد علمتهم البذل والتضحية. كما قصد الكاتب من هذا التوظيف للبعثة الديبلوماسية الجزائرية الإبانة عن المعدن الطيب لهؤلاء الرجال الذين صقلهم الجهاد؛ قال الدكتور رباح :” لقد عملت معهم طيلة عشر سنين،إني أعرفهم جيدا ، تجسيد حي لكل معانى النبل والبطولة في تاريخ الإنسان ” [ص31] . ومن وراء هذا كله تأكيد الطابع الإسلامي للثورة التحرير .
- النمط الذي لا يتعلم من الموت شيئا ؛ إنه النمط الأكثر، النمط السائد، ذو الطبع المركوز في كثير من النفوس منذ الأزل، مثّل هذا الطبع في المسرحية الشاب المخمور الذي انبتت حبال الوصل بينه وبين حبيبته ، وما أن تناهى إلى مسامعه عودة الأمن للسفينة حتى عاد سيرته الولى ، وقد سجل القرآن الكريم هذا الطبع في كتابه الخالد :” هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة و فرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان ، وظنوا أنهم أُحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن انجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ، فلما انجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ، يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون “[ يونس : 22،23] .
إنه طبع النفس الإنسانية التي غاضت فيها فيها معاني الاستجابة للمؤثرات ، وامّحت منها دلالات الاتعاظ من الأحداث والتاريخ .
أخيرا لا أحسب عمل الدكتور عماد الدلين خليل هذا إلا أثرا تركته الآية الكريمة في نفسه، وهو مثل يُحتذى به في استلهام أمثال و قصص وتوجيهات القرآن الكريم في أعمال فنية وأدبية.

