18
0
كتابة الطلبات والشكاوي على الآلة الراقنة… مهنة تصارع البقاء أمام تحدي الرقمنة و التكنولوجيا

الآلة الراقنة آلة لم يجف حبرها رغم السنين، عاصرت الرقمنة والتكنولوجيا ، وحافظت على وجودها في زمن غاب فيه مفهوم الكتابة التقليدية . بعد أن تزايد الاقبال عليها لكتابة الشكاوي و التظلمات التي لا تعرف التكنولوجيا و لا تعترف بها ، فتكتفى بالراقنة لأنها المقصد و الغاية في فهم شكواهم .
شيماء منصور بوناب
شارع أول نوفمبر بالقصبة يحتضن الآلة العتيقة منذ 60 سنة
يتواجد الكتاب العموميين قرب المؤسسات الخدماتية كالبريد و مؤسسات الضمان الاجتماعي،على غرار ساحة أول نوفمبر بالقصبة بالجزائر العاصمة، التي تميزت بشكل خاص كأول ساحة تحتضن الكتاب العموميين مند مدة لا تقل عن ستين سنة .
كتاب ساحة أول نوفمبر لم يتخلوا عن الراقنة التي كانت سبب توافد العديد من الزبائن في كل يوم من مختلف الفئات، مثقفين وأميين الذين يقصدون الكتاب العموميين أمثال السيد ” بادود أحمد ” لقص حكاياتهم لصيغة شكوى أو طلب ، و بحكم خبرة هؤلاء الكتاب فقد برعوا في فهم الغاية و المقصود من حكايات الزبائن . فيقول السيد أحمد:” بحكم الخبرة و الأقدمية المهنية نستقطب الزبائن الذين يرفضون التوجه للمكاتب القانونية أو الجهات الخاصة للكتابة لأنهم على قدر من الدراية على أننا الوجهة الصحيحة التي تلبي مقصدهم بقيمة مادية مغرية”.
علاقة الراقنة بهؤلاء الكتاب لم تمحيها مطبات الحياة بل فرضت عليهم التخلي عن منصبهم في الشركات و المؤسسات لضمان استمرارهم في الكتابة عليها، أمثال السيد بادود أحمد الذي فضل الرزق اليومي على التوظيف الشهري بضمان اجتماعي في عمله السابق كرجل اداري بمنصب محترم في أحد المؤسسات الجزائرية.
الأسعار المعقولة تستقطب الزبائن
الثقة و المصداقية جعلت الزبائن أمثال السيدة ” سلمى” يرتادون على الكتاب العموميين لكتابة شكاويهم و فك عقدة أنفسهم في سرد مشاكلهم لهؤلاء الكتاب، فتروي السيدة سلمى تجربتها في كتابة الشكوى قائلة”: قصدت العديد من المحامين لكتابة طلباتي والشكاوي لكن دائما ما أتفاجئ بالسعر الذي يفوق حجم توقعاتي هذا ما جعلتني أنظر للأمر من جهة ثانية ، وما زاد الطينة بلة هو عدم رضايا بمستوى الكتابة”.
و تابعت:” غيرت الوجهة في السنة الأخيرة و بدأت التعامل مع أصحاب المهنة الحرة لكتاب الراقنة الذين التمست في عملهم خبرة و دراية كافية لتلبية طلبي بسعر جد مغري و حسب قدرتي أيضا.”

من جهته أيضا سرد لنا السيد “أحمد تجربته” مع أحد الزبائن الذي أنقص من قيمة عمله كمهنة غير متعبة فيروي لنا بتعجب:” ككل مرة أحاول ارضاء زبائني من خلال كتابة شكواهم بشكل لائق حسب رغبتهم و حسب قدرتهم المادية ، فأتفاجأ مرة برفض أحد الزبائن الدفع لي حق تعبي و عرق جبيني قائلا لي ” علاش عرقت؟؟؟؟ وقع هذه الكلمة جعلني أراجع حساباتي في مزاولة هذه المهنة التي لا تزال تحافظ على سعرها المعقول رغم الزيادة الهائلة في الأسعار “.
و أضاف:” الرحمة في السعر من أولوياتنا لأننا أيضا أبناء الطبقة الوسطى لا نفرض أسعارنا على من هم دون دخل محترم فنكتفى بسعر 200دينار أو500 للشكوى و الطلب أما 1000 دينار فتكون في حالة العارضات و الشكاوي المعقدة .”
الراقنة آلة لرد حق المواطن
مزاولة العمل في الكتابة على الراقنة يجعل السؤال يطرح نفسه في كل مرة، لماذا الراقنة و ليس غيرها؟ يجيبنا السيد” ل_م” مشيرا:” بدأت عملي هنا في سنة1979 من خلال النقر على حروف الراقنة كإلهام دفع بي للدفاع على حقوق المواطنين بكتابتي شكواهم التي غالبا ما يعجزون عن شرحها.”
يقضي أصحاب الراقنة مدة 15دقيقة الى غاية 45 دقيقة في السماع و الكتابة لطلبات الزبائن الذي يقصون لهم في كل مرة مرارة تجربتهم أو مشاكلهم التي لم يمل منها الكتاب العموميون أو يعترضوا عليها بل جعلوا منها مكسب رزقهم و قوتهم اليومي، كما اعتبروها وسيلة للتعرف على الناس ومنهم من أصبحوا لهم أصدقاء.
يفيدنا السيد”ل_م'” مرة أخرى قائلا:” أغلبيتنا نعمل هنا بدوام كامل كغيرنا من الموظفين في المؤسسات أو الشركات لكن ما يختلف عنهم هو قضائنا ساعات طويلة في سماع مشاكل الآخرين وفهمها و تبسيطها خاصة عندما يقصدونا من هم أكبر سنا.”
و تابع مضيفا لنا:” بحكم الأقدمية أصبحنا نفهم طلب الزبون من حيثيات قصته فنكتفي بالجزئيات ونطرح بعض الأسئلة التي تبسط غاية المواطن .”
و في مواصلة منا للإجابة على سؤالنا السابق، نكتشف قيمة الراقنة و تميزها في كتابة بعض الاستمارات كشهادة المنشأ و التظلمات التي لا يمكن كتابتها بالحاسوب كونها تتطلب دقة و خصوصية ادارية تتوفر في الراقنة فقط التي تفرض مستوى علمي محدد وتكوين خاص من خلال الاطلاع على أهم المراسيم و التعديلات الوزارية.
الظروف الطبيعية أكبر التحديات
يتحصل الكتاب العموميون على اعتماد من البلدية لمزاولة عملهم أمام المكاتب الخدماتية في فترة الشتاء أو الصيف دون أي ضمان. فالظروف المناخية الحارة و الباردة شتاءا و المتعبة لم تقف حاجزا أما الكتاب على الراقنة بل زادتهم ثقة و اصرار على مواصلة مهنتهم و هوايتهم في الساحة العمومية.
فالمطالبة بمكان عمل الراقنة و كتابها بات ضروريا و ملزما لتسهيل الامور عليهم باعتباره حق لهم وواجب على السلطات . فمزاولة العمل بشكل يوم في مثل هذه الظروف أرهقهم ككتاب و أتعبهم كفئة من الشعب تملك حق العمل في محيط تتوفر فيه شروط السلامة و الأمان مع طرح إمكانية اشراكهم في الضمان الاجتماعي.

