848

0

تحيين أسعار الوقود بين منطق الاستمرارية الاقتصادية وهاجس القدرة الشرائية

بقلم: ضياء الدين سعداوي

بعد الجدل الواسع الذي رافق الزيادة المفاجئة في أسعار الوقود، خرجت وزارة المحروقات والمناجم ببيان توضيحي حاولت من خلاله وضع القرار في سياقه الإقتصادي والتقني، والتأكيد أن ما حدث ليس رفعا اعتباطيا للأسعار، بل تحيين مدروس تفرضه متطلبات التموين المستمر وتغطية التكاليف المتزايدة للإنتاج والتوزيع. بيان يحمل في طياته رسائل متعددة، أهمها طمأنة الرأي العام بأن الدولة لا تزال حاضرة بقوة في معادلة الدعم.

الوزارة شددت على أن الأسعار الجديدة لا تعكس بأي حال من الأحوال التكلفة الحقيقية للوقود، التي تشمل سلسلة طويلة ومعقدة من الإستخراج إلى التكرير ثم النقل والتوزيع، فانتقال سعر البنزين إلى 47 دج للتر والمازوت إلى 31 دج وسيرغاز إلى 12 دج لا يعني أن المستهلك بات يتحمل العبىء الكامل، بل إن الخزينة العمومية ما تزال تتحمل الفارق الأكبرحفاظاً على القدرة الشرائية ودعماً للنشاطات الإقتصادية خصوصا تلك المرتبطة بالنقل والإنتاج.

في هذا السياق تبرز نقطة محورية في البيان بأن الدولة لم ترفع يدها عن الدعم بل أعادت ضبطه ، وهو فارق جوهري بين منطق “رفع الأسعار” ومنطق “إعادة التوازن”، فاستمرار بيع الوقود بأقل من تكلفته الحقيقية يعد خياراً سياسياً واقتصادياً واعياً ، لكنه في المقابل يتطلب تحيينا دورياً يضمن بقاء منشآت التكرير والتوزيع في حالة جاهزية ويجنب البلاد سيناريوهات التذبذب أو الندرة في التموين.

ويولي البيان أهمية خاصة لسيرغاز بوصفه الوقود الأكثر إقتصادية في الجزائر إذ يظل أقل سعرا بأربع مرات مقارنة بالبنزين. هذا المعطى ليس تقنياً فقط بل يحمل بعداً استراتيجياً و هو تشجيع خيار طاقوي أقل كلفة وأخف أثرا على البيئة وأقل ضغطا على الخزينة العمومية ، غير أن نجاح هذا التوجه يظل مرتبطاً بتوسيع شبكة التوزيع وتحفيز تحويل المركبات وتبديد المخاوف التقنية لدى المواطنين.

مع ذلك يبقى الإشكال الحقيقي خارج الأرقام، فالمواطن لا يقرأ دائما البيانات التقنية بل يشعر بإنعكاس القرار في حياته اليومية في كلفة التنقل وفي أسعار السلع وفي ميزانيته الشهرية ، وهنا فقط يظهر مجدداً تحدي التواصل. فحتى القرارات الإقتصادية المبررة قد تفقد مشروعيتها الشعبية إذا لم تشرح في وقتها وباللغة التي يفهمها الجميع.

خلاصة القول إن تحيين أسعار الوقود وفق ما توضحه الوزارة يندرج ضمن منطق ضمان الإستمرارية والإستقرار الطاقوي لا ضمن التخلي عن الدعم، غير أن نجاح هذا الخيار يظل مرهونا بثلاثة عناصر متلازمة و هي الشفافية الدائمة في الشرح، إجراءات مرافقة تحمي الفئات الهشة ورؤية واضحة تجعل المواطن شريكاً في فهم التحولات لا مجرد متلق لآثارها، ففي الإقتصاد كما في السياسة، لا يكفي أن يكون القرار صحيحاً تقنيا، بل يجب أن يكون مقنعاً اجتماعيا أيضا.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services