29
0
حرمةُ المسجد بين الخشوع وغياب مسؤوليةِ الأولياء.

الأستاذ إسماعيل محمد
الحمد لله الذي جعل المساجد بيوتًا له في الأرض، تُرفع فيها الأصوات بذكره لا باللغو، وتُعمر بالطاعة لا بالعبث، قال تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36]،
وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18].
لقد ظهرت في بعض مساجدنا، خاصة في صلاة الجمعة والتراويح في رمضان، ظاهرةُ إحضار الأطفال الصغار جدًا إلى جناح الرجال أو النساء، فيعلو الصياح، ويكثر الجري واللعب، فينشغل المصلون ويضطرب خشوعهم. ولا شك أن تعظيم بيوت الله وصيانتها عن كل ما يشوش العبادة واجبٌ على الجميع، فالمسجد موضع سكينة ووقار، لا ساحة لعبٍ وضجيج.
وقد جاء في الحديث: «جَنِّبوا مساجدكم صِبيانكم ومجانينكم...» (رواه ابن ماجه، وفي إسناده كلام، غير أن معناه معتبر عند أهل العلم في باب صيانة المسجد). وهذا يدل على وجوب حفظ حرمة المسجد ومنع ما يؤدي إلى الفوضى فيه.
ومع ذلك، فإن السنة النبوية تبين لنا ميزانًا دقيقًا بين التعظيم والرفق؛ فقد قال النبي ﷺ – كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه –:
«إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز في صلاتي، كراهية أن أشق على أمه» (متفق عليه).
كما أنه ﷺ حمل حفيدته أمامة بنت زينب رضي الله عنها في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها (رواه البخاري ومسلم).
فهذه النصوص تدل على أن وجود الأطفال في المسجد كان معروفًا في عهده ﷺ، لكنه وجودٌ منضبط، قائم على مسؤولية الأولياء، لا على الإهمال وترك الصغار يعبثون ويؤذون المصلين.
وعليه، فإن المسؤولية تقع أولًا على الآباء والأمهات؛ فلا يُؤتى بالطفل الذي لم يبلغ سنّ التمييز، أو الذي يُغلب على الظن أنه سيُحدث تشويشًا. وإن كان لابد من اصطحابه، فليكن تحت رقابة مباشرة، مع تعليمه آداب المسجد تدريجيًا.
والمرأة غير مطالبة شرعًا بالصلاة في المسجد، فإن خشيت من تشويش طفلها فالصلاة في بيتها أفضل لها وأعظم أجرًا في حقها.
إن بيوت الله أمانة، وتعظيمها من تعظيم شعائر الله، كما أن تربية الأبناء على احترامها عبادة في حد ذاتها. فلنحفظ للمسجد سكينته، ولنربِّ أبناءنا على وقاره، حتى يجتمع لنا الخشوع والرحمة، والنظام والأدب، دون إفراطٍ ولا تفريط.

