12
0
بعد34 عاماً من اعتقاله أقدم أسير من جنين… والدته رحلت ووالده فقد البصر ..

تقرير: على سمودى-جنين-القدس
صبيحة عيد الأضحى المبارك الأخير، طلبت الطفلة نور جرار 7 سنوات،من والدتها قمر “أم يوسف “،أن تضع كمية من” كعك العيد” جانباً لتتناولها حين تحرر خالها الأسير رائد محمد شريف السعدي، وهي تردد نفس الدعوات التي تتكرر على مسامعها من جدها ووالدتها وعائلتها منذ أقبلت على الدنيا ” فرج قريب .. اللهم فرحنا بحرية خالي رائد حتى نراه ونتعرف عليه ..فقد اشتقنا له “.الصغيرة نور التي لا تعرف خالها الذي دخل قبل أيام عامه ال34 خلف القضبان ، وكباقي أبناء عمومتها وخالاتها الذين تجاوز عددهم الخمسين، لم يسمح الاحتلال لهم بزيارته ، أثارت مشاعر الحزن والألم لدى والدتها التي لم تقوى على كتم دموعها، لكنها ضمتها لصدرها وهي تردد “يارب” ..ننتظر رحمتك.. فلا تحرمنا فرحة عودته قريباً “.
الغياب والأمل ..
فمنذ إعتقال رائد، لا تفارق سيرته وذكرياته الصغير قبل الكبير في العائلة التي دفعت الثمن الغالي في غيابه الذي تقول عنه شقيقته أم يوسف ” طال وتجاوز كل حدود الاحتمال والصبر ، فمن يحتمل كل هذا الوجع المؤلم في كل لحظة وثانية حتى لاطفالي الذين لم يروه طوال حياتهم، فالاحتلال يعاقبهم بالمنع الأمني “، وتضيف ” يتمتع رائد بمكانة كبيرة ومنزلة عظيمة في قلوبنا حتى احبه صغارنا الذين ولدوا بغيابه أكثر منا ، فما قامت به طفلتي كانت مفاجأة لكنه يعبر عن مشاعرنا جميعاً وايماننا بالله،فحتى طفلتي التي تسمعنا نردد دوماً انه سيفرج عنه،لديها أمل بحريته”، وتكمل ” طفلتي التي لم تكن تهتم يوماً بإذاعة أو أخبار، ورغم صغر سنها ، كجدها ومثلنا،أصبحت تتابع وتنتظر الخبر الأجمل الذي نترقبه كل لحظة صفقة الافراج عن أسرى وبينهم خالها رائد “.
الانتظار الصعب ..
في رحلة الاسر المستمرة لاقدم أسير في محافظة جنين ، تتعدد صور الالم وتكثر حكايات الوجع ، ومن اقساها ما تكبدته والدته المسنة سهام السعدي “أم عماد “، ففي البداية تقول كريمتها ” عانت من المنع الامني ، حرموها من زيارة فلذة كبدها وحبيب قلبها بدعوى عدم وجود صلة قرابة ، وبعد شكاوي ومعاناة انتزعت حقها المشروع ورغم المرض واظبت على زيارته التي كانت تمنحها القوة والعزيمة “، وتضيف ” قاومت الأمراض بأمل حريته ، وكلما كانت تسمع عن صفقة وعمليات إفراج ،تفرح وتخطط لاستقباله وعناقه وزواجه وتحلم برؤية أطفاله في أحضانها، ورغم خيبات الامل المتتالية لم تفقد الأمل لحظة، لكنها في كل مرة ،كانت تدفع الثمن من صحتها وحياتها حتى أصبحت رهينة الامراض “.
الصدمة القاتلة ..
لفترة طويلة ، لم تجف دموع الوالدة أم عماد،عندما شطب أسم رائد من صفقة “وفاء الأحرار ،حتى أعلن عن الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي لإطلاق سراح جميع الأسرى القدامى وبينهم رائد، وتقول ” بعدما استعدت والدتي وعاشت الفرحة لاقتراب احتضانها لابنها، لم تصدق عدم إطلاق سراحه ، انهارت وتعبت كثيراً ، وأمضت أوقاتها في البكاء من الصباح حتى المساء ،فقمت بزيارتها لمواساتها ورفع معنوياتها “،وتضيف “لم أراها بمثل هذا الحزن حتى عندما توفي شقيقي البكر عماد ، ولن انسى كلماتها ” عماد توفي مرة واحدة ..لكن رائد حياته في خطر كل يوم بسجون الاحتلال التي هي مقابر الاحياء .. واموت كل يوم في غيابه ، فاسكتتني بكلماتها وعجزت عن إجابتها “، وتكمل ” بعد أيام قليلة ، تعرضت والدتي لجلطة دماغية وهي تتمنى وتحلم بتحرر رائد ورؤيته.. لكن القدر أنها توفيت حاملة أمنيتها معها دون رؤية شقيقي الذي دخل عاماً جديداً خلف القضبان “.
مسلسل العذاب ..
لم تنتهي فصول العذاب في مسلسل معاناة عائلة الأسير رائد، فوالده الثمانيني الحاج محمد السعدي،المربي الذي خرج الاجيال،وصاحب القلم الجريء والاشعار الوطنية التي كرسها لرائد الذي تنقل بين السجون لزيارته، وتحدى الاحتلال والسجان لرؤيته ، ولم يفقد الامل رغم الصدمات التي لم تتوقف ، انتهى به المطاف فاقداً للبصر لكنه حلمه الوحيد ” أن يستنشق رائحة رائد التي يعرفها ويميزها ويعشقهما ولم تنسيه اياها سنوات الفراق والأسر “، كما تعبر كريمته أم يوسف التي تقول ” تمتع طوال حياته بصحة ممتازة ومعنويات عالية، وقف بفخر واعتزاز لجانبه يؤلف وينشد الاشعار لبطولته وصموده وصبره عندما منع أمنياً “، وتضيف ” وقف على بوابات السجون ولم يتخلف عن زيارته ، تألم ولم يبدى وجعه بخيبات الصفقات، وبعدما فجع برحيل والدتنا ، كانت صدمتنا الثانية بفقدانه البصر بشكل كلي “.
فقدان البصر ..
عندما بدأت معاناة الوالد أبو عماد بفقدان البصر بشكل جزئي ، طلب منه رائد عدم زيارته حرصاً على صحته ولحمايته من ممارسات الاحتلال المذلة على الحواجز، لكنه رفض كما تقول أم يوسف ” صمم على تحمل كل شيء حتى يحافظ على الخيط الذي يمنحه القوة والامل ،لم توقف حواجز او عمليات تفتيش حتى فقد البصر ولم يعد قادراً على زيارته، هذه اللحظات كانت موجعة أكثر لوالدي ورائد “، وتضيف ” المرض لا يؤدي دائماً لوعكة أوعجز،وانما الحزن الدموع والالم والوجع الداخلي ،فحزن ومعاناة والدي ادت لفقدان بصره ، وما زال على نفس المشوار ينتظر الامل من رب العالمين وليس من الاحتلال ان يكون رائد معه وبمنزله ويحتضنه “، ويكمل ” كل يوم، يتابع الاخبار كالغريق الذي يتعلق بقشة ،لعل وعسى ان يكون هناك خيط أمل أن يسمع بصفقة جديدة يكون أسم رائد مدرجاً فيها “.
لن نفرح ..
خلال اعتقال رائد ، تزوج كل الأشقاء والشقيقات ، لكنهم جميعا كما توضح أم يوسف ” لم يقيموا الافراح “، وتضيف ” لم تدخل الافراح منازلنا في كل المناسبات ولم تقام أي طقوس في أعراسنا ، فكيف يكون الفرح وصاحبه الحقيقي غائب ومقيد ولا يمكنه مشاركتنا ؟”، واضافت ” على مدار السنوات الماضية ، ام نزين حتى منازلنا ، فكل الافراح والاشياء مؤجلة لوقت تحرره ..عندما سنزين كل مكان ونقيم عرساً وطنيا يساوي كل دقيقة من سنوات الانتظار “، وتكمل ” اصبح والدي جداً ل50 حفيداَ ، ولدوا جميعاَ خلال اعتقاله و بينهم من تخرج من الجامعات أو تزوج ولديه أطفال ، ولا يعرف أحد منهم إلا عن طريق الصور “.تبكي أم يوسف وتقول ” علماً ارى الابناء خاصة مجتمعين حول والدي ، أفرح لهم وادعوا لهم بالعمر والسعادة ، لكن أتالم واتحسر وأشعر بغصة، واتمنى أن يكون لرائد بينهم ولداً أو بنتاً بينهم “.
بطل حقيقي ..
في ذكرى اعتقال رائد في مثل هذه الايام بتاريخ 28-8- 1991،تصف أم يوسف شقيقها بانه”بطل مضحي وحقيقي بصبره على الابتلاء فرب العالمين سيكرمه ويجازيه باجرعظيم لما قدمه لوطنه..فقد ضحى روحه ونفسه وماله من اجل حريته وكرامة شعبه “، وتضيف ” في عام 1966 ، ولد وتربى وعاش في بلدتنا السيلة الحارثية ، تعلم بمدارسها حتى انهى الثانوية العامة ، لكن بسبب الاعتقال لم يكمل ، فاستأنف دراسته خلف القضبان وحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ “، وتكمل ” في ريعان الشباب ، تحدى رائد الاحتلال ورفع فلسطين،فاعتقل وعذب ولم يتراجع ، اكمل المشوار حتى اعتقل وحوكم بالسجن المؤبد مرتين ،عانينا وفقدنا وتغير الكثير في حياتنا ، لكن رائد لم ينال منه السجن والسجان ، فما زال حراً كعلم فلسطين ، شامخاً كما أراد ينتظر عودته القريبة ليرفعه مرة اخرى على أسوار السيلة “.

