14

0

وتنطفئ شعلة وضّاءة في أسرتنا الجامعية

بواسطة: بركة نيوز

محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا

ونحن لم نكفكف دموعنا بعد من هزات الزلزال المروع الذي ضرب ليلة البارحة إخوتنا وأهلنا في جنوب تركيا وشمال سوريا فأودى بالألاف و شرد الملايين !! حتى هزنا زلزال آخر في إحدى جامعاتنا، نهار اليوم الثلاثاء 17 رجب  1444هـ ، الموافق 07 مارس 2022م، بخبر وفاة أستاذنا  الدكتور أحمد بوطرفاية رئيس جامعة محمد خيضر بولاية بسكرة جنوب  شرق الجزائر.. والبروفيسور بوطرفاية غني عن التعريف في الأوساط الأكاديمية و الجامعية في الداخل و الخارج، و قد استضاف في المدة الاخيرة في جامعته و كرم عباقرة الجزائر وعلمائها أمثال البروفيسور بلقاسم في الصائفة الأخيرة، على سبيل المثال، لا الحصر !!

تولى  المرحوم البروفيسور أحمد بوطرفاية منصب مدير جامعة بسكرة سنة 2017 ، بعد أن شغل العديد من المناصب عبر الجامعات الجزائرية منها أستاذ محاضر بجامعة بسكرة بين عامي 1997و2003 ، ومنصب رئيس جامعة قاصدي مرباح بورقلة والمركز الجامعي بايليزي وكذلك رئيس لجامعات مختلفة بالجزائر منها جامعة مسيلة وتبسة.

شارك في العديد من المؤتمرات العلمية، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، حاصل على دكتوراه دولة في العلوم الكيميائية عام 1997 من ”جامعة قسنطينة“ في الجزائر، وماجستير في الفيزياء عام 1992، و بكالوريوس في الكيمياء العامة عام 1987.

المرحوم أعرفه شخصيا من بعيد كما أعرف عائلته ويعرفنا، وهو رفيق درب شقيقي في طفولته منذ عهد الدراسة الابتدائية بمدارس ولاية أم البواقي وبقي الرجلان على تواصل بينهما، يذكر لي شقيقي أن بوطرفاية عائلة بسيطة كجل العائلات الجزائرية في ثمانينات القرن الماضي، ثم فرقت بينهما السبل فهذا ذهب لسلك شبه الطبي في ولاية غرداية وذاك للدراسات العليا في جامعة قسنطينة، ورغم بعد المسافات بينهما وقلة وسائل التواصل إلا أن علاقتهم لم تنقطع وبقي الوفاء بينهما يتزاوران أثناء العطل وبعض المناسبات، وكان كثيرا ما يحن لطعام الوالدة – حفظها الله ومتعها بالصحة-، كما ذكر لي أخي يوما أنه أخذ معه إحدى بنات شقيقنا الأكبر لتسجيلها في تخصص ما في جامعة ورقلة، فمازح البُنية بقوله، ” عمك هذا لا ينفع معك، اتصلي بعمك الآخر-أي كاتب هذه السطور- المقيم في أوروبا ليسجلك في الجامعات الأوروبية المتطورة لتستفيدي أكثر، من حضارة الغرب ووفرة وسائلها التكنولوجية المتطورة”، ثم أردف يقول لشقيقي، ما دامت البنت مسجلة في  تخصص إدارة ومالية بجامعة قسنطينة أتركها حيث هي أحسن لها، وحتى طقس قسنطينة أرحم من لهيب طقس ورقلة، وأيضا تكون قريبة من جدتها!!

كما أخبرتني أيضا إحدى قريباتي كانت أستاذة متعاقدة تدرس عنده لما كان في جامعة ورقلة، أن  الدكتور أحمد رجل مهني وصارم في تسييره حتى مع بناته الطالبات في  ذات المعهد الذي تشتغل فيه هي، وقد أثنى عليه أحد الاساتذة بقوله لنا أن الدكتور بوطرفاية رحمه الله تعالى أستاذا بارزا، ومشاركا في الحياة التربوية والثقافية الوطنية في كل مراحل جهاده الفكري والتربوي والثقافي والاجتماعي، وكذا زوجته كانت سندا له، وكما يقال فإن “وراء كل ناجح وعظيم إمرأة”، وفرت له الكثير من الشروط والظروف النفسية والعائلية التي أعانته على إحراز تلك النجاحات الكبيرة، في مسيرته المهنية.

وتحت عنوان ” وتنطفئ الشعلة الوضّاءة” ، كتب زميله أستاذنا الاعلامي المخضرم الموهوب خليفة بن قارة، هذه التغريدة التأبينية المؤثرة:

” لولا الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر لحظة ولا يستقدم، ما كنت أصدق الخبر الذي بلغني صباح هذا الثلاثاء الحزين، من أن الأستاذ الدكتور أحمد بوطرفاية، رئيس جامعة محمد خيضر، قد ترك دار الفناء وانتقل إلى دار البقاء، وهو الذي اتصلت به قبل يوم فقط، أسأله عن أحواله، فراح يعدّد لي ما ينتظر جامعته، ويٌبشرني بما ستحققه قريبا، لصالح الطالب والبحث العلمي، وكأنني عضو من أعضاء الجامعة.

كم فرح يوم أخبرته أنني أنوي إهداء مكتبة الجامعة، نصف ما أملك من كتب، قرابة الألف كتاب من مختلف التخصصات، ضحك يومها وقال لي: شكرا جزيلا باسم من سيقرأون، رغم أنك ما زلت صغيرا، وسأخصص في المكتبة جناحا، يحمل اسمك، يضم جميع كتبك المُهداة، ولم يكتفِ بذلك، بل طلب مني موعدا لإرسال سيارة تنقل مجموعة الكتب، كأنه كان يخشى أن أتكاسل أو أتراجع فيُحرَم الطلبة من كتب أغلبها نادر .

رحل إذن الرجل الخلوق المجتهد الصارم، الذي كانت الجامعة تدين له، رحل فجأة حينما توقّفت في صدره تلك المضغة، توقّف قلب رجل لم أعرفه إلا متحركا فاعلا، لصالح الجامعة الجزائرية أينما حل، سواء في ورڨلة أو المسيلة أو بسكرة .

غادرنا اليوم من حيث لم نكن ننتظر، الأستاذ سي أحمد بوطرفاية، إلى دار البقاء، تاركا وراءه بصمته التي لن تمّحي من الجامعة، ستذكره الأعمال التي أتم إنجازها برغم المصاعب، و ستذكره الأجيال التي كان يرافع من أجلها، كي تكون أنوارا تضيء الوطن، وليس مجرد أرقام عابرة، وسيذكره الرفاق الذين افتقدوه، وهم على الطريق راكضين نحو العلا .

و صدق الشاعر الحكيم  القائل :

وتشاءُ أنت من البشائر قطرةً *** ‏ ويشاء ربُك أن يُغيثك بالمطر

‏وتشاء أنت من الأماني نجمةً ***‏ويشاء ربُك أن يناولك القمر

‏وتشاءُ أنت من الحياة غنيمةً*** ‏ويشاء ربك أن يسوق لك الدُرر

‏وتظل تسعى جاهدا في همةٍ ***‏والله يعطي من يشاءُ إذا شكر

‏والله يمنع إن أراد بحكمةٍ ***  لا بد ان ترضى بما حكم القدر

نعم لا بد أن نرضى بما حكم القدر، وإننا لا نحزن عن رجل نزل ضيفا على الرحمن، برغم ألم الفراق، ولا نقول له وداعا، بل نقول له طاب مقامك عند الذي يجازي الناس بأحسن مما عملوا، مع الصدّيقين والصالحين والشهداء، وإلى الملتقى في جنة الرضوان، أعدت للمتقين،  إن شاء الله، و ” إنا لله و إنا اليه راجعون “.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services