28
1
رياضة التنس في الجزائر… تحديات داخلية وتنافس أجنبي لإستقطاب الكفاءات الجزائرية

رياضة التنس من الرياضات التي بقيت لمدة طويلة حكرا على النخبة و رجال المال. حيث استهوت العديد من الفئات بما فيهم النساء منذ أن اكتشفت على يد البريطانيين سنة 1874 .
شيماء منصور بوناب
لم يقتصر الاهتمام بها كهواية مستقلة انما أصبحت في سنة 1877رياضة رسمية بقوانينها و مبادئها المضبوطة، فبالرغم من أنها رياضة ملكية كما سميت عند الأجانب الا أنها عرفت قبول كبير عند العرب بما فيهم الجزائر، التي خصت لها في فترة استقلالها اتحادية و نوادي تكفل المنتسبين لها .
تألق جزائريين قبل الإستقلال رغم سيطرة الفرنسيين على نوادي التنس
أما في فترة الإستعمار فقد كانت النوادي خاصة بالفرنسيين، ورغم ذلك فقد برزت بعض الأسماء الجزائرية في مختلف البطولات الدولية و العالمية.
شهدت رياضة التنس في بداية الستينات تكفل من قبل المسؤولين الفرنسيين أنداك ،خاصة في قضية التوثيق و حفظ الأرشيف الذي خفي أثره مع كل سنة تمر، فلم يترك أي نتاج ملموس.
بقي الالتفاف الفرنسي برياضة التنس في فترة الإستقلال، ولكن ذلك لم يقف حاجزا أمام الجزائريين أمثال ” بن مرابط زروق ” الذي عمل على انصاف هذه الرياضة في الجزائر بإنشاء اتحادية خاصة بها و العمل عليها في الفترة الأولى من الإستقلال، فيؤكد السيد ” حليم عزي ” المدير الفني للإتحادية الجزائرية للتنس موضحا:” التنس سابقا كانت حكرا على الفرنسيين فقط خاصة في نادي غولف و حيدرة ، فقد شغل أولئك الفرنسيون مهمة اللاعبين و المدربين في آن واحد ،في حين كان الجزائريون حاملين للكرة فقط.” و تابع :” بحكم أن رياضة التنس كانت بين أيادي الفرنسيين فذلك يفسر وجود فرد جزائري فقط من أصل مئة فرنسي في ملاعب التنس، هذا الظلم والاحتكار لم يمنع من تفوق حاملي كرة التنس الجزائريين على الفرنسيين ، اذ نتج عنهم أسماء لها وزن ثقيل في عالم التنس ، وقد أخص بالذكر كل من “محمودي عبد السلام ، بونايب سبتي ، بعطيش صايفي، مزداد حسين وغيرهم من الأسماء التي تصدرت القائمة”.
تعاظمت الجهود الجزائرية لرد أحقيتهم في ملاعب التنس، ولكن ذلك لم يكلل بالنجاح بعد بسبب غياب السياسة العادلة للحكم في النوادي التي ضلت لمدة طويلة منتسبة للأجانب ، على غرار نادي قسنطينة الذي كان متكفل بعدد معتبر من المنخرطين الجزائريين تحت مسؤولية ” بلجيكو” الذي تولى بعدها منصب مدير الاتحادية الجزائرية لرياضة، التنس لمدة عشر سنوات رفقة “محمودي عبد السلام ” كمدير تقني .
التنس تعود للجزائريين
تطوير رياضة التنس كان مرهون بالظروف الإجتماعية للمواطن الجزائري التي حالت بينه و بين انضمامه لنوادي التنس.

في ذات الصدد أكد لنا المدير الفني مرة أخرى في حديثه عن تصفية قاعدة التنس الجزائرية من الأجانب مؤكد:” في سنة 1969 عمل المسؤول الجديد لنادي حيدرة على تصفية النادي من الفرنسيين بإرسالهم لمقر باش جراح و ترك نادي حيدرة للجزائريين فقط”، تمكن النادي بعد هذه التصفية من تأهيل ما يزيد عن أربعين لاعب على مستوى عالي بطولي سمحوا بتطوير الرياضة و توسيع آفاقها في الجزائر”.
جاءت التصفية لتحديد مسؤوليات اللاعبين الجزائريين الذين نقلوا مباشرة للعاصمة كمدربين مؤهلين و مكونين شغلوا مهمة تدريب الصغار و تنظيم أعمال النوادي و الاتحادية بأسس جديدة جزائرية.
الاتحادية الجزائرية لرياضة التنس تسطر المهام و تحدد الأدوار
وعن النهوض بهذه الرياضة يقول ” حليم عزي”يقول :” منذ تنصيبي كمسؤول تقني صادفت أعضاء من الاتحادية رغم عدم ارتباطهم برياضة التنس الا أنهم كعنصر بشري كانوا على قدر من المسؤولية في تسيير عمل الاتحادية بشكل يليق بها، لذا من جهتي أؤكد على دور الهيكل البشري في دعم عمل الاتحادية و في تكثيف الجهود الادارية لتسيير الاستراتيجيات العملية للنوادي التابعة للاتحادية.”
وأضاف المدير الفني للإتحادية:” المشكل الحقيقي في تذبذب نشاط رياضة التنس يكمن في عائلة التنس بحذ ذاتها كون البعض لا يتقيدون بأخلاقيات الرياضة و لا يولوها أهميتها الحقيقية.”
عملت الاتحادية الجزائرية لرياضة التنس منذ توليها على تحقيق التوافق و الاصلاح بين النوادي ، الذي يفرض اصلاح مسار المنتسبين إليها كقاعدة أولية، ثم تفعيل مهام و مسؤوليات هيكلها الاداري، كماأن استمرار و تطوير الاتحادية و التنس بحد ذاته مرهون بالاهتمام بالعنصر البشري الذي يكفل استقطاب الاستثمارات التي تغطي متطلبات الرياضة و يعمل على جلب الراعيين للنوادي، يضيف محدثنا .
الجزائر تكون اللاعبين و تونس تغري المدربين
ترشيد السياسة العامة لرياضة التنس تبعا لأساسيات عمل الاتحادية وتوجيهاتها ، دفع حركة التألق في عدة نوادي، أهلواو كونوا لاعبين على مستوى عالمي مثلوا الجزائر في رياضة التنس، كما أن تحقيق الكفاءة و رسم سلسلة اللاهزيمة في مسار التنس الجزائرية أشادت به أسماء عالمية نصبوا أعينهم على هذه الكفاءات إلى غاية استقطابهم و مدهم بامتيازات حالت دون رغبتهم في مواصلة عملهم في الجزائر كمدربين و لاعبين وطنيين. فيقول في هذه النقطة السيد “حليم عزي ” :” مشكلة نقص المدربين تكمن في عدم استقرارهم في الجزائر، اذ في حالة توفر ظروف أحسن في بلد أجنبي بالأخص تونس يعقد لنا الأمور، لأننا نواجه مشكلة هجرة كبيرة دون رجعة فنفقد بذلك مدربين ولاعبين من أصحاب الكفاءات العالية.”

مؤخرا و حسب الاحصائيات الخاصة بالتنس فقد بلغ عدد المدربين الجزائريين القاطنين في تونس ما يزيد عن تسعة وأربعين مدربوما يفوق الثلاثين في فرنسا؟؟؟ الحركية العكسية لهذه الرياضة تدفعنا للتساؤل” لماذا” الجزائر تكون و الأجنبي يستفيد ؟؟ يجيب المدير الفني :” قضية الهجرة لا تفرض علينا القاء اللوم عليهم انما هم قد اختاروا الأحسن لهم لأن الظروف الحالية للجزائرلا تنصف جل حقوقهم ولا تغطي احتياجاتهم كمدربين ، في حين استقرارهم في الدول الأجنبية قد ضمن كل احتياجاتهم المادية و نصب حقوقهم كمدربين مؤهلين .”
و تابع مؤكدا:” المناخ العام للجزائر عرقل استمرار عمل المدربين في وطنهم بالرغم من رغبتهم القوية في دفع التألق والتميز لأبناء وطنهم ، لذا أعمل دائما على تذكيرهم بمساعدة الجزائر في كل فرصة تتيح لهم ، حتى و إن كانوا في بلد غير بلدهم ، و بذلك تلقيت القبول في كل مرة خاصة من جهة ” كريم غزال ” و مختار بن بكمة” اللذين لم يبخلا في دعم التنس الجزائرية”.
كما أشار إلى أن نجاح أي نادي مرهون بالتنظيم الأمثل الذي يفرض تصنيف المنخرطين لفئات ترتكز بالدرجة الأولى على تكوين فئة الصغار ” خمسة سنوات” لتحقيق المواصلة واستمرارية الانتاج المحض في اللاعبين ، ثم تخصيص مبالغ محترمة للمدربين لتفادي الهجرة ولضمان مضاعفة طاقتهم في التكوين و التدريب .
التوفيق بين الدراسة والرياضة أكبر العوائق
اضافة لنقص الامكانيات التي تحول دون نجاح النوادي و تطويرها، بجانب ذلك نجد السياسات التعليمية تؤثر على استمرار جدول تدريب اللاعبين أمثال ” باداش” بالرغم من كونها ذات اسم وصيت دولي الا أن قوانين التعليم و الدراسة تكبح أحيانا مسار تدربها ، لذا يلتجأ ناديها الى الحصول على تسهيلات من مدرستها تمكنها من مزاولة تدريبها، فيوضح السيد “” حليم عزي ” في هذا الصدد :” أحيانا نصادف عراقيل على المستوى الخارجي المتعلق بجدول الدراسة للمنخرطين و اللاعبين أمثال باداش و الذي يأثر على مسارهم الرياضي ، من هذه الجهة نطمح التماس بعض التسهيلات من السلطات و الجهات التعليمية لضمان استمرار النشاط الرياضي للاعبين.”

المركب الرياضي للتنس “بن عكنون” إستقطاب واسع رغم قلة الإمكانيات
تعتبر الامكانيات المادية أكبر العقبات أمام استمرار رياضة التنس في الجزائر ، بما فيها قلة الملاعب التي لا تغطي احتياجات اللاعبين ، و قلة المدربين من الدرجة الاولى و الذي يؤثر في عمل النوادي. فبالرغم من الانفتاح الشامل على رياضة التنس كهواية و رياضة تستقطب كل الفئات العمرية و المستويات الاجتماعية ، الا أن مشكلة التكوين و الدعم المالي يصادف مجمل الأندية بما فيها مركب بن عكنون. فيقول مدير البرمجة لنادي تنس بن عكنون السيد” ريان عبد القادر “:” من جهتنا نكتفي بالدعم الذاتي لبعض المنخرطين الأوفياء لرياضة التنس، و بعض الجمعيات باعتبار أن الامكانيات المقدمة من الجهات المعنية لا تغطي كل احتياجاتنا، اضافة لغلاء مستلزمات التنس من مضارب و كرات التي لو لا كرم بعض الاولياء لما تمكنا من توفيرها”.
و تابع قائلا:” مركب بن عكنون نظرا لقدم تواجده فقد شهد ما يقارب أربع مائة و خمسة و ثلاثين منخرط، منهم مئة و تسعين منخرط حر و مئتين و خمسة و أربعين منخرط في مدرسة التنس، أغلبيتهم من فئة الاناث بنسبة 55بالمئة “.
تقوم السياسة الجديدة لمركب “بن عكنون” بعد أن أصبح تابع لمديرية الشباب و الرياضة منذ حوالي السنة و النصف ، على استراتيجية التقسيم وفق المنتسبين ، فنجد المدرسة الخاصة تتكفل بتدريب المنخرطين من جميع الفئات ،كما نجد فرق النخبة من مولودية الجزائر و أعوان الشرطة وفق برنامج خاص دون تدريب أو تكوين انما كهواية جانبية تصقل مواهبهم الرياضية ، أما الأحرار من عامة الناس فلهم نصيب في ذلك مع تخصيص ملعب خاص بين الفينة و الأخرى، و يذكر أن الانتساب لهذا المركب يكون بصفة مجانية باعتبار أنه من ملكية الدولة.
عدد المنخرطين في النادي لا يتناسب مع عدد المدربين بالرغم من الاقبال الكبير الذي شهده هاذا العام من طرف المهتمين بالتنس و الهواة، فقضية التكوين تبقى الأساس قبل تفعيل النادي فلا استمرارية للعمل دون موجهين و مدربين ينتجون النخبة و يطورون المهارات ،فيقول السيد ” ريان عبد القادر “:” عدد المدربين في نادي بن عكنون لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، وهو الحال في عدد الملاعب ايضا، يرجع هذا العجز للقاعدة العامة للتنس التي تحتاج ترميم شامل و إعادة التجديد”.
نادي حيدرة ” الهاك ” من أقدم الأندية
من أقدم النوادي الجزائرية لرياضة التنس كان نادي “الهاك” الذي أنجب قائمة رياضيين في التنس شرفت الجزائر في المحافل الدولية ، على سبيل الذكر وردة بوشابو بطلة افريقية ثلاث مرة و رابح بوشابو ، جمال حراث… وغيرهم من الأبطال ، لكن واقع ما هو عليه اليوم التنس من قلة الدعم جعلت الأندية تأخذ سبيلها كل واحد على حدى دون توافق أو تكامل في الجهود ، بما فيها نادي الهاك الذي تفرع عنه نادي آخر جديد تحت إسم”tch “يضم ما يقارب 150 منخرط منتسبين في مدة جد قصيرة ، فيوضح نائب رئيس نادي tchالتنس حيدرة””السيد موطرفي محمد” مشيرا:” الاخفاقات التي نشهدها اليوم في عالم التنس هي نتاج السياسة التجارية التي أصبحت عليها بعض النوادي مع نقص كبير في الدعم المادي،ما فرض علينا توفير الامكانيات من دخلنا الذاتي.”

في ذات الجانب نجد سياسة بعض الأولياء في دمج أولادهم في قائمة المنخرطين في النادي تفرض نوع من الضغوطات التي تحول دون تطبيق برنامج التدريب المثال، كما نجد التدريب المنفرد بمبالغ معتبرة تنقص مستوى التدريب كونها تركز على العمل الفردي للاعب وتهمل النشاط الجماعي للفريق.
آفاق مستقبلية و رسالة للسلطات
التنس رياضة كحالها من الرياضات التي تستلزم تكثيف الجهود الادارية و الرياضية لتحقيق النجاح و لرفع سقف الآفاق، عبر تنظيم استراتيجيات دقيقة بميزانيات تلبي حاجيات كل الأندية و الاتحادية بحذ ذاتها ، والتي وضح من خلال السيد ” ” حليم عزي ” مفيدا:” أزمة كورونا عدلت المفاهيم و غيرت الاتجاهات التي ينبغي تحسينها في قطاع التنس من خلال رفع مستوى اللاعبين و تكثيف التدريبات لضمان المشاركة في المنافسات و البطولات التي ينبغي علينا بدءا من السنة الجديدة العمل عليها بحوصلة، نتائج ما سبق في اطار تأهيل الجزائر في مجال تنظيم مسابقات وطنية و منافسات داخلية تسمح بجلب عدد كبير من اللاعبين الجزائريين على غرار المسابقات الخارجية التي تكتفى بلاعبين على الأكثر”.
وأضاف :” على السلطات مراقبة النوادي وضبط قوانينها التي تفرض عليها التحلي بأخلاقيات التنس و تفرض احترامها ، مع تخصيص ميزانية جد محترمة تضمن حقوق المدربين بالدرجة الاولى لتفادي الهجرة و تكفل حقوق اللاعبين من جهة أخرى.”
من جهته أكد السيد ” موطرفي محمد” في حديثه عن تفعيل سياسة جديدة للأندية موضحا:” دعم النوادي واجب على الجهات المعنية و توفير الامكانيات أيضا يقع ضمن مسؤولياتهم التي تضمن الاستمرارية و تحقق النجاح للأندية .”

