16

0

مظاهرات11 ديسمبر 1960..مظاهرات حسم مصيرالثورة

بواسطة: بركة نيوز

مظاهرات الــ 11 ديسمبر 1960 .. أو مظاهرات حسم مصير الثورة

الباحث في التاريخ : محمد عبدالعزيز

من أهم محطات الثورة التحريرية المباركة التي تستحق كل الاهتمام و التقدير مظاهرات ديسمبر 1960 التي تعد حدثا تاريخيا بارزا في مسيرة الثورة التحريرية حين اخترقت صمت الأمم المتحدة بقوة التلاحم الشعبي للجزائريين الذين خرجوا في مظاهرات عبر شوارع المدن الجزائرية حاملين العلم الوطني رمز العزة، مؤكدين بذلك رفضهم القاطع لمخططات الجنرال ديغول و تحطيمهم نهائيا خرافة الجزائر فرنسية ، حيث سقطت أسطورة التفوق الاستعماري أمام الرأي العالمي ، و فشلت سياسة ديغول في القضاء على الثورة، و أيقن خلالها أن الشعب الجزائري لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون فرنسيا و لا الجزائر فرنسية كما يدعّي المعمّرون.

تعد مظاهرات 11 ديسمبر1960 “منعرجا حاسما” في مسار الثورة التحريرية الجزائرية لتمكنها من إجهاض مخطط الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي كان يهدف إلى جعل الجزائر فرنسية في إطار فكرة الجزائر- جزائرية. إن هذه المظاهرات كانت بمثابة “انفجار بركاني” ضد جميع الاستفزازات الرامية إلى القضاء على هوية الشعب الجزائري و جعل الجزائر قطعة من فرنسا. و من بين هذه الاستفزازات مطالب “الأقلية الفرنسية” بجعل الجزائر-فرنسية، لا سيما خلال المظاهرات التي قامت بها سنة 1960م . وقد قوبلت زيارة الرئيس الفرنسي لمدينة عين تموشنت بمظاهرات حمل خلالها المتظاهرون العلم الوطني و شعارات كتب عليها” تحيا الجزائر” – ” تحيا جبهة التحرير الوطني” – ” تحيا الجزائر مسلمة”، وهي شعارات منافية لمشروعه الرامي إلى إقناع الجميع أن الجزائر جزائرية بكل مكوناتها أي من مسلمين وفرنسيين وذلك بناء على معلومات خاطئة زود بها قبل زيارته من خلال تقارير أوهمته بنجاح مشروعه. و قد توالت المظاهرات من تاريخ ال 9 ديسمبر ،لتتوج بمظاهرات شعبية قادتها جبهة التحرير الوطني عبر فيها الشعب الجزائري يوم 11 ديسمبر 1960عن التفافه حول الثورة ومطالبا بالاستقلال التام. إن  “الجماهير الجزائرية بدلا أن تهتف بحياة ديغول وسياسته راحت تهتف من أعماقها بحياة الجزائر المستقلة و بحياة جبهة التحرير الوطني و فرحات عباس و بن بلة”. وأضاف أنه كان لرفع الراية الوطنية وقعا كبيرا على الفرنسيين، مما أدى إلى إطلاق النار على المتظاهرين مما ادى الى تأجيج هذه المظاهرات.

وكما أن مظاهرات 11 ديسمبر كانت بمثابة “استفتاء شعبيا على الاستقلال، اعتبارا أن التوقيت كان مناسبا في الجبهة الداخلية و الخارجية حيث مكنت هذه المظاهرات، من إيصال القضية الجزائرية إلى كل ربوع العالم بفضل الصحافة الدولية التي جاءت لتغطية زيارة الرئيس الفرنسي. إن مظاهرات 11 ديسمبر “غيرت مجرى التاريخ و مسيرة الثورة الجزائرية” وذلك بما نقلته الصحافة الدولية آنذاك عن هذه الأحداث، لاسيما ما كتبه الصحفي البريطاني ادوارد بورن (وكالة رويترز، و جريدة التايمز البريطانية). إن هذا الصحفي البريطاني الذي كان شاهد عيان، خصص صفحتين في كتابه حول مظاهرات 11 ديسمبر ، تميزت “بالحكمة” و الموضوعية إذ وصفها هذا الصحفي البريطاني ب” الانتفاضة الشعبية ” في المدن ضد سياسة ديغول وزيارته. كما اعتبر إن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 كانت بمثابة “خيبة أمل كبيرة بالنسبة للفرنسيين”، لا سيما بعد فشل فرنسا في معركة ديان بيان فو بالهند الصينية،  الجزائريين في هذه المظاهرات تمكنوا من إسماع صوتهم إلى الأمم المتحدة “بتأكيدهم بأننا جزائريين و لسنا فرنسيين” حيث أصبح الوفد الجزائري في الأمم المتحدة أهم وفد من بين مختلف الوفود.

عند زيارة ديغول الجزائر في إطار تنفيذ مشروعه الجديد المتمثل في” الجزائر جزائرية” انقسمت الساحة السياسية الجزائرية إلى ثلاثة مجموعات رئيسية :

المعمّرون المناهضون لسياسة ديغول و هم الذين قاموا بمظاهرات يوم 9 ديسمبر 1960 في عين تيموشنت ضد زيارة الجنرال ديغول محاولين إحباط برنامجه المبني على” الجزائر جزائرية” و حاملين لواء “الجزائر فرنسية”.

أنصار “الديغولية” من الفرنسيين و الجزائريين المقتنعين بسياسته من البرجوازيين و بعض البرلمانيين. خرجت هذه المجموعة في مظاهرات لمساندة مشروع ديغول بإيعاز من حكومة باريس يوم 10 ديسمبر 1960 بغرض إفشال مشاريع المعمرين المناهضين لسياسة ديغول في الجزائر، شعارهم “الجزائر جزائرية”.

التيار الوطني تمثله الجماهير الشعبية التي دخلت حلبة الصراع بقوة كتعبير عن رفضها للمشروعين الأولين في مظاهرات يوم 11 ديسمبر 1960، عبرت خلالها عن تمسكها بقيادة الثورة و استقلال الجزائر.

و في يوم الأحد  11 ديسمبر انطلقت المظاهرات بالعاصمة في حي بلكور (شارع بلوزداد حاليا) لتتوسع إلى أحياء كل من   المدنية ، باب الوادي،  الحراش ، بئر مراد ريس ، القبة ، بئر خادم ،  ديار السعادة ، القصبة، مناخ فرنسا (وادي قريش)،  كما عرفت كذلــك ساحـــــة الورشات ( أول ماي حاليا ) و شـوارع مــيشلي ( ديدوش مراد حاليا )  كثافة شعبية متماسكة مجندة وراء العلم الوطني  و شعارات الاستقلال و حياة جبهة التحرير الوطني. وسرعان ما ظهر التنظيم المحكم في هذه المظاهرات إذ عينت لجنة تنظيمية في كل حي، لتمتد إلى المدن الجزائرية الأخرى في الأيام اللاحقة في كل من تيبازة وشرشال في 12 ديسمبر،  سيدي بلعباس و قسنطينة في  13 ديسمبر   و عنابة في 16 ديسمبر.  و كان الشبان الجزائريون يتصلون بالصحافيين الذين جاءوا لتغطية الحدث طالبين منهم نقل صورة تبين حقيقة ما يجري في الجزائر وهم يهتفون “نريد الحرية- نريد الاستقلال”.

 

إن ممّا لا شك فيه أن الفرنسيين قد فوجئوا بحوادث العاصمة و وهران  و قسنطينة  و عنابة و غيرها مثلما فوجئوا بثورة أول نوفمبر. فجاء رد فعل السلطات الفرنسية قويا تجاه المظاهرات، إذ قابل الجيش الفرنسي الجموع الجزائرية بالدبابات و المدافع  و الرشاشات و أمطروهم بنيران القنابل و أطلقوا عليهم الرصاص. كما قامت الشرطة الفرنسية بالمداهمات الليلية لاختطاف الجزائريين من منازلهم، و الإغارة على المواطنين وهم يوارون شهداءهم  (كما هو الحال في مقبرة القطار سيدي امحمد ) مما زاد في عدد الشهداء بالإضافة إلى سلسلة الاعتقالات التي مست عدد كبير من الجزائريين.

بعد أن حقّقت جبهة التحرير انتصارا سياسيا واضحا رداً على سياسة ديغول  و المعمرين معا، عقد الرئيس “فرحات عباس” رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ندوة صحفية صباح يوم الاثنين 12 ديسمبر 1960 بنزل الماجستيك  بالجزائر العاصمة، خصّصها للحديث عن التطورات الأخيرة للقضية الجزائرية و قد حضر هذه الندوة عدد كبير من الملحقين الصحفيين بسفارات الدول العربية و الأسيوية والإفريقية و ممثلي الصحافة المحلية و الأجنبية و الإذاعات و وكالات الأنباء. كما ألقى الرئيس “فرحات عباس” في هذه الندوة بيانا طويلا أجاب فيه عن أسئلة الصحفيين وجاء في نص البيان” أن الشعب الجزائري يؤكد تعلقه بالاستقلال الوطني وبحكومته” .

أكدت المظاهرات الشعبية على تلاحم الشعب الجزائري  و تماسكه و تجنيده وراء مبادئ جبهة التحرير الوطني للقضاء على سياسة ديغول الجديدة المتمثلة في فكرة ” الجزائر جزائرية” و فكرة المعمرين   “الجزائر فرنسية”.

– أظهرت هذه المظاهرات حقيقة الاستعمار الفرنسي الإجرامية أمام الرأي العالمي، من خلال تحديه – وهو الأعزل- لقوات العدو المدعّمة بالحلف الأطلسي وإحباط كل محاولته القمعية.

–  أسفرت هذه المظاهرات على عشرات القتلى في صفوف الجزائريين منهم عدد كبير من الجرحى والمعتقلين.  و أثبت الشعب الجزائري للجنرال ديغول وللعالم بأسره أن الثورة الجزائرية ثورة شعب يرفض كل أنواع المساومات بما في ذلك مشروع “ديغول”: “الجزائر جزائرية”.

-أما على المستوى الدولي فقد برهنت المظاهرات الشعبية على المساندة المطلقة لجبهة التحرير الوطني، و اقتنعت هيئة الأمم المتحدة بإدراج ملف القضية الجزائرية في جدول أعمالها. كما صوتت اللجنة السياسية للجمعية العامة لصالح القضية الجزائرية و رفضت المبررات الفرنسية المضللة للرأي العام العالمي.

– اتسعت دائرة التضامن مع الشعب الجزائري عبر العالم خاصة في العالم العربي و حتى في فرنسا نفسها.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services