48

0

فلسفة بناء الإنسان والوطن

بواسطة: بركة نيوز

بقلم الاستاذ آدم محمد الأمين

تواجه الأسرة والمجتمع صعوبات كثيرة في بناء الفرد .. حيث أن الفرد هو الركيزة الأساسية لبناء الأسرة ومن ثم لبناء المجتمع ومن ثم لبناء الوطن …..وبناء الإنسان قبل بناء الأوطان هو مطلب إنساني ورباني حيث بدأ النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم بتربية الروح والعقل ليبدأ ببناء الإنسان،  بادر بهدم الأصنام وتحرير العقول من الاوهام ومن الجاهلية ومن العبودية من التخلف.

كثير ما يبهجنا ويسعدنا النظر إلى بعض المباني الشاهقة الطول ،الجميلة التصميم ،الرائعة البناء ،فتذهب أعيننا يمنى ويسرى تمسح ذلك المبنى وتتأمله بالإعجاب والإشادة،وكذلك الإنسان الذي يبني نفسه ويهتم بتزويد عقله وروحه بالزاد المعرفي ويتضلع من أصناف العلم ويلتهم الكتب التهاما فلا يشبع منها، ويأتي على كل أخضر ويابس في مائدة المعارف ويغرف بكل مايستطبع ، وهنا الفرق ، فتخمة الأكل والمبالغة فيه تؤدي إلى البلادة والموت المعنوي ومن ثم الموت الحسي، أما التخمة المعرفية فتفسح الطريق أمام الإنسان إلى حياة أرحب وأفاق أوسع لايحدوها حدود ولا تقفلها سدود , وهنا الفرق الجوهري بين النهم المعرفي الذي يرتقي بالإنسان إلى مصاف العظماء , وبين النهم البدني الزائد الذي يقعد الإنسان حتى يلصق جسده في الأرض ومن ثم يسكن العقل وتجمد الفكرة ويصبح الإنسان أسير يومه وظروفه .

ولعلكم رأيتم كيف يتم عمل الخلطات اللازمة لعملية البناء وكيف أن اختيار المواد ومقاديرها يتم من خلال حسابات معينة ومقادير محددة لاتزيد ولاتنقص ،فكذلك الإنسان فعليه أن يعدّ العدّة اللازمة لبناء نفسه وتنميتها وتطويرها وذلك بعمل خليط مميز من المعارف والمفاهيم التي تشكل له في النهاية حصيلة معرفية متميزة تتيح له النظر بأبعاد مختلفة إلى مجريات الحياة المعاصرة وفهم أكبر لما يدور حوله ووعيا فريدا لكثير من التناقضات التي يحفل بها عالمنا الآن.

ولذلك كان التركيز على بناء الإنسان هو الأساس الذي قامت عليه النظريات المختلفة قديما وحديثا ،بل إن الأديان وفي مقدمتها الإسلام , جاءت لتنقل الإنسان من مراتع الشهوانية الحيوانية إلى حلق العلم ومحاضن التربية ودور المعرفة , وتضفي عليه الصبغة العلمية الناقدة الواعية لما حوله والدليل على هذا أن أ ول آية نزلت عليه الصلاة والسلام هي كلمة ( اقرأ ).

فالقراءة هي تنمية وتغذية روحية وعقلية تقود في النهاية إلى البناء الحسي المشاهد, ولهذا كان الإنسان هو محور التنمية وأساس التطور , وعماد التقدم لأي دولة أو مجتمع , فصلاح الفرد صلاح لزوجته , وصلاح الأبوين عامل مهم جدا في صلاح الأبناء , وبالتالي إذا نشأ لنا أبناء صالحين مصلحين تولد لنا جيلا عظيما قادر على قيادة المجتمع وركب سفينة الحضارة وشق الأمواج العاتية في ظلمة الليل البهيم، بنور الإيمان وسلاح العلم ومركب الوعي .

إن بناء الإنسان من أصعب وأشّق العمليات التربوية ولكنها في الوقت ذاته مهمة جدا ولابد منها ،فلا يتخيل التقدم إن لم يكن الإنسان نفسه متقدم ، ولايتخيل تطور إن لم يكن الإنسان متطور وقابل لتطوير قدراته وتنميتها ، ولا يتخيل تغيّرا في المجتمع بكامله إن لم يقابله تغير في فكر وعقل من يراد منه إحداث التغير في المجتمع ، لذا كان لزاما على الإنسان أن يحرص على بنا ء نفسه وتطويرها وتهذيبها في مختلف الجوانب ( التعليمية _ المعرفية _ النفسية _ الاجتماعية ) وغيرها من الجوانب المهمة ، ومن ثم العمل على ترويض النفس والتصبر وتعلم الإرادة وقبول التحدي ومواجهة الصعاب.

فالوطن لا يُبنى على أوهام وشعارات ولافتات ، ولا يبنى على صراعات صغيرة وكبيرة ، ولا على على الأكاذيب والعوز النفسي والبطالة وتسيب الحالة الأمنية والصراعات المستترة والعلنية ،ولا يبنى بالتحطيم المادي والمعنوي للانسان و لا يبنى على أفكار متطرفة تهدف الى تكريس التعصب والفتنه، ولا يبنى على الفساد المالي والإداري والاغتيالات وكتم الأنفاس و تقديس الأشخاص والجماعات .

وبالتالي اهتمامنا بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر مهما أقمنا من مباني ومنشآت ومدارس ومستشفيات ..ومهما مددنا من جسور فإن ذلك كله يظل كياناً مادياً لا روح فيه .. وغير قادر على الاستمرار، إن روح كل ذلك الإنسان.

لن تصلح البلاد دام إن اهتممنا ببناء قوة عسكرية للبطش والقتل سواء بالحق أو الباطل وأهملنا  بناء عقلية الكادر والانسان وعقليته وثقافته سواء في المجال العسكري او المدني…فالجندي اذا لم تبني عقليته بأن ولائه لا يكون الا لوطنه وتعلمه ثقافة التعامل مع الشعب وأنه ماهو إلا موظف مع الشعب،فان هذا الجندي قوة تنقلب ضد الشعب ولمن يدفع اكثر….وكذلك المواطن لابد من بناء عقليته وتعليمه وتثقيفة قبل بناء الجدران والمصانع وناطحات.

فمهاتير محمد نموذج لبناء العقلية وبناء مجتمع متعلم قبل أن يضع لبنة واحدة في بناء المصانع والمنشئات..فهل نستفيد من هذا النموذج ؟ عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان بنوا سور الصين العظيم .. واعتقدوا بأنه لايوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، ولكن ..!خلال المئة سنة الأولى تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات ! وفى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية فى حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه ..! بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب.

لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس .. ! فبناء الإنسان .. يأتي قبل بناء كل شيء وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم .. يقول أحد المستشرقين: إذا أردت أن تهدم حضارة أمه فهناك وسائل ثلاث هي:1-اهدم الأسرة2-اهدم التعليم.3-اسقط القدوات والمرجعيات.*لكي تهدم اﻷسرة:عليك بتغييب دور (اﻷم) اجعلها تخجل من وصفها ب”ربة بيت”*ولكي تهدم التعليم: عليك ب(المعلم) لا تجعل له أهمية في المجتمع وقلل من مكانته حتى يحتقره طلابه.*ولكي تسقط القدوات: عليك ب (العلماء) اطعن فيهم قلل من شأنهم، شكك فيهم حتى لايسمع لهم ولا يقتدي بهم أحد.

فإذا اختفت (اﻷم الواعية) واختفى (المعلم المخلص) وسقطت (القدوة ) فمن يربي النشء على القيم؟!!وفي النهاية كلنا ننشد التغيير ونسعى إلى الكمال , ونريد التقدم , ونشتهي النهضة التي تنشلنا من الوضع الحالي , والحل أن تتولد إرادة التغيير من داخل ذواتنا , فإذا اجتمع هذان الأمران ( بناء الإنسان وتربيته _ والإحساس الذاتي بالمشكلة والاستعداد للتغيير ) فحينئذ نكون قد وضعنا قدمينا على الطريق الصحيح , ولايهم أن كان الطريق طويلا أو قصيرا , فمن يعرف الطريق سيصل لامحالة

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services