14

0

فجوة زمنية

بواسطة: بركة نيوز

بقلم : سما حسن

تفاجئنا الصور الحديثة المتداولة عبر وسائل الإعلام للأسير العائد إلى الحياة والحرية كريم يونس الذي أمضى أربعين عاما بعيدا عن عجلة سريعة الدوران حتى قد يتخيل ذات لحظة أن الحياة قد توقفت وهو يعيش كل يوم بين القضبان، وكل أيامه تشبه بعضها، لا ندري أين توقف بالتقريب لكنه حتما كان في وقت استخدام الهواتف الأرضية وكأنها اعظم اختراعات الأرض، واليوم، ها هو يعود وبين يديه هاتف ذكي، ها هو يعود متفاجئا ومصدوما من التكنولوجيا الرهيبة والقفزات السريعة التي حدثت فيها، واختفاء أجهزة أصبحت تعد، اليوم، من التراث أو أنها تصلح للاحتفاظ بها في المتاحف وظهور أجهزة جديدة تفوقها بمراحل.

أعجبت بصورة للأسير كريم يونس وهو يمسك بهاتف ذكي بين يديه وهو بذلك يمارس ما نمارسه نحن منذ زمن وما اعتدنا عليه منذ زمن، فاليوم، هو يمارس حياة جديدة كأنه قد نفذ عبر فجوة زمنية تحدثت عنها كتب الخيال العلمي وأفلام السينما التي تلهب خيالنا وقد تناول بعضها ما يدور من قصص غامضة حول العائدين من الماضي إلى زمن متقدم، وحول الذين يختفون في بقع غامضة لم يكشف عنها النقاب حتى اليوم مثل مثلث برمودا، وهناك من يدعى أن هذه المناطق هي فجوات زمنية تبتلع بعض الأشخاص وربما طائرات أو سفنا ثم يظهرون في زمن آخر ومختلف ويصحب ذلك المزيد من الإثارة.

اليوم، يعود كريم يونس القادم من فجوة زمنية هي فجوة اصطنعها البشر وليست ظواهر طبيعية لم يكشف عن تفسير لها حتى اليوم، واسلمنا بوجود ظواهر غير طبيعية فعلا، ولكن هذه الفجوة هي فجوة ظلم واستبداد امتصت اجمل سنوات عمر هذا الرجل وحيث دخلها يانعا غضا في الثانية والعشرين من عمره وها هو ينفذ منها نفاذا وهو يتخطى عامه الستين.

يخيل إلي أن هناك مشاعر متضاربة قد شعر بها هذا العائد من الماضي، هذا الذي اشتاق لتذوق اللحم الطازج واشتاق للفاكهة الطازجة والشمس والماء والخضرة ولون البحر وحركة الأمواج والمشتاق حتى العطش لأشعة شمس تضرب جبهته وتلوح لون بشرته، ومشتاق لغبار الأرصفة ومشتاق اكثر لمعرفة ماذا حدث للناس الذين تركهم في غيابه. هذا الفتى المسروق والمخطوف يعيش، اليوم، أزمة صراع بين حضارتين وعليه أن يستوعب ويبتلع ريقه الفروق الشاسعة ما بين الهاتف الأرضي مثلا الذي كان يرن ويحظر على الفتيات والنساء الرد عليه في وجود الرجال وبين الهاتف الذكي الذي يقوم بمقام عدة أجهزة في وقت واحد والذي يقرب البعيد صوتا وصورة.

هذا العائد من فجوة زمنية تبدو على ملامحه دهشة طفل يتعلم المشي ويشعر بدهشة أن خطوته تدب على الأرض وانه يتقدم ببطء وانه يترك صدر أمه ليمضي إلى الأمام، حيث الحياة التي لا تشفق مثل قلبها أبدا. يدهشنا هذا العائد، اليوم، وهو يبدي فرحة لا تخفى وهو يعبث بهاتفه وهو ينقل أرقام الهاتف من مفكرة قديمة ورقية، تشبه تلك التي كان أبي يحتفظ بها في جيب سترته الداخلي يدون بها كل الأسماء حسب الحروف الأبجدية، وطالما نسيها وغسلتها أمي وتركناها تجف وحاولنا نسخ الأرقام والأسماء ثانية بعد أن ذاب حبرها وتفشى وبدأ يختفي.

هذا الرجل المندهش ذو الوجه الطفولي الذي يحتاج لمن يهلل له ويصفق وهو يخطو خطوته الأولى وهو يتقدم حيث الحياة تفتح ذراعيها وتناديه بقولها أيها الغائب والعائد أقبل فما زال في جعبتي الكثير لك ومن أجلك.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services