9

0

باكرًا جدًّا… رحلتَ ! كلمة في حقّ الأستاذ: “عبد المطّلب روينة”.

بواسطة: بركة نيوز

 

بقلم الاستاذة فلة داود

اليوم يوم ثلاثاء، والسّاعة حوالي السّادسة مساء، منهكةٌ من يومي الطّويل ومن سويعاتِ التّدريس الّتي قضيتُها في برنامج “روّاد المستقبل”، أتصفّح هاتفي، أجد منشوراتٍ هنا وهناك –على قِلّتِها- تنعي وفاة الأستاذ الفلكيّ “عبد المطلّب” مدير المركز العلميّ الكائن بأولاد فايت بالجزائر العاصمة وعضو مجلس إدارة جمعية القباب الفلكية العربية، ارتعدت فرائصي، ولوهلةٍ أوحَت لي نفسي بأنّ في الأمر خطأ أكيد، ربّما يقصدون شخصًا آخر، علّها زلّةٌ في الكتابة، علّه التباس واقع.

بحثتُ في حسابه، حسابات الأصدقاء المشتركين، الجمعيّات الفلكيّة، مجموعات الواتساب، حساباتُ دائرته الخاصّة من طلبةٍ وأساتذة جمعتني بهم لقاءاتٌ علميّةٌ مختلفة، لأجِد أنّ الخبر صحيحٌ ولا مردّ له. حدثَ كلّ شيء بسرعة، لم يُمهلنَا لنتهيّأ، لم يدع لنا طريقًا لنودّعَه الوداع الأخير، لم يُمهّد لنا ويربت على أكتافنا -جرّاء فقده- قبل الرّحيل الأخير، في صمتٍ رهيب تسلّل من بيننا تاركًا رسائلًا جمّة وعبرًا كثيفة، ولكأنّه لم يكتفِ بكلّ أثره المرسوم أينما حلّ وارتحل وهو حيًّا، فاستمرّ حتّى بعد مغادرته، بل وفي لحظات انفلاتِ الرّوح، بأن مرّ سريعًا خفيفًا صادقًا وصدّيقًا، بأن مرّ منهمكًا كما كان دائمًا خلال مساره مستغلًّا كلّ ثانية من حياته الحافلة، وكأنّه يقول لنا بأنّ الوقت محسوب جدًّا ولا مجال للتّراجع والتّهاون، فليعمل كلّ على ثغره ويقم بسدّ ما يمكن سدّه، فقد ترحلون سريعًا مثلي.

عرفتُ الأستاذ “عبد المطلّب” قبل أمدٍ قصير (حوالي خمس سنوات) – ويا ليتني عرفته من قبل فأغنم ضعفًا- ذات لقاء علميّ جماهيريّ، وكنتُ حينها لازلت أخطو خطواتي الأولى نحو مجالات تبسيط العلوم، والإيمان بأهميّة ذلك، وضرورة العمل لأجل الإسهام في نفس السّياق، فجمعنا حوار مطوّل، فحدّثني فيه عن بداياته الأولى وكيف كان يكدّ ويجتهد رغم المعارضة الّتي يجدها والاستخفاف بجهوده، لكنّه ولإيمانه الشّديد بأفكاره، فقد كان مقدامًا مقبلًا، موقنًا بما يفعل، لذا حرصَ طيلة السّنوات الماضية بأن يُسهم في إيصال شعاعات العلم إلى حيث استطاع النّفاذ، مع الكبار والصّغار، الطّلبة والأساتذة، المتخصّصين وغير المتخصّصين، يلبس القبّعة الخاصّة بكلّ طبقة فيلج إلى أعماقها بأسلوبه ومدى تمكّنه واطّلاعه وغزارة معرفته، وكلّ هدفه من ذلك أن ينشر ثقافة علميّة رصينة ببساطة ولكن من دون إخلال، دون تعقيد لكن من غير تزييف، وأن يبثّ الأمل في نفوس الشّباب ويدفعهم نحو العمل بالرّغم من كلّ المعيقات والحواجز والمسالك الصّعبة والضيّقة.

اهتمّ المركز العلميّ منذ نشأته على فكرة تحبيب العلوم بمختلف صنوفها، فنظّم أنشطة متعدّدة في الإعلام الآلي، الفلك، الجيولوجيا، الروبوتيك، الرياضيات، البيئة.. لدعم ممارسة الثقافة العلميّة، وهو يحوي المركز على ثلاثة أقسام رئيسيّة: دار العلوم، حاضنة المشاريع العلميّة، ومرصد فلكيّ بيداغوجي، كما ساهم في تنظيم العديد من التّظاهرات العلميّة الجماهيريّة، وتوجيه الطّلبة في مشاريعهم العلميّة والابتكاريّة.

حمل الأستاذ: “عبد المطّلب” طيلة حياته همّ العلم وهمّ إشاعته بين النّاس، واهتمّ بشكل خاص بالأطفال والشّباب وعقد عليهم كلّ آماله وطموحاته، وهو القائل: “المجتمع الرّاقي يملك ثقافةً علميّةً راقية”، وبالفعل فالمجتمع الّذي يفتقد أبناؤه إلى أبسط أبجديّات التّفكير العلميّ والثّقافة العلميّة من الصّعب أن يبتكر وأن يُسهم في الدّفع بعجلة الحضارة ضمن التّاريخ.

هذه كلمات بسيطة جدًّا في حقّه، ارتأيتُ أن أدوّنها كبعضٍ من ردّ الجميل، والاعتراف بالفضل، وكشهادة حيّة ممّن عرفَتْهُ ونهَلَتْ شيئًا من معينه، وكنصّ اعتذار لتقصيري، وكذا تذكيرٌ لي ولكلّ المهتميّن بمجالات تبسيط العلوم لأن يواصلوا الرّحلة ويعبروا الطّريق ويتركوا الأثر قبل أن تحين لحظة المغادرة، حينئذ لا ينفع بذلٌ ولا سعيٌ. وأخيرا، كواجب تاريخيّ يتعيّن عليّ خصوصًا وأنّنا نشهد نقصًا في التّدوين وغالبًا ما ننسى ويُطوى المارّون العاملون من دون ذكر واعتراف.

في يوم 26 فبراير رحل السيّد “محمّد بوعكّاز” بائع ورود الجزائر بالبريد المركزيّ، رجلٌ يمثّل إرثًا غزيرًا للجزائر العاصمة ولتلك المنطقة الّتي بهاؤها مرهون بذلك الدكّان الصّغير المملوء بالحبّ والحياة، لا يمكن المرور من أمامه دون شراء وردة، أو النظر إليها، أو التقاط صورة للمكان، ومن يعيش بالعاصمة يعي جيّدًا ما أقول، مكان صغير يمكن اعتباره واجهة للحياة والحريّة، مكان كثيف بالمعنى وفيه يمكن أن يتولّد الفنّ، مكتبةٌ صغيرةٌ، مقهًى أنيق، وبائعٌ للورود مبتسمُ المحيّا. بعدها بيومين وفي 28 لحقه رائدٌ من روّاد تبسيط العلوم “عبد المطّلب روينة” الّذي قضى حياته خادمًا للوطن، وناشرًا للعلم، وصانعًا للأمل. الأوّل في رحاب الفنّ والثّاني في بحار العلم، ولا وطن يشتدّ ويقوم ويدخل التّاريخ من غير علوم وفنون، تكنولوجيّات وآداب.

مضى “محمّد” ومضى “عبد المطّلب” وآن أن نسأل أنفسنا في أيّ المسارات نسير وأيّ البذور نزرع وعلى أيّ سياق نترك بصمتنا.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services