12
0
اليوم العالمي لحقوق الإنسان..الجزائر مسار طويل من الجهود والمحطات الملهمة

اليوم العالمي لحقوق الإنسان ..الجزائر مسار طويل من الجهود والمحطات الملهمة
ولد اليوم العالمي لحقوق الإنسان من رحم الحروب حيث يحتفل العالم في العاشر من ديسمبر من كل عام بالذكرى السنوية لهذا اليوم الذي اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة له سنة 1948 ونصت هذه الوثيقة على عدة قوانين تحدد وتؤصل حقوق الإنسان وواجباته كونه إنسان وبذلك احتراما لمختلف الحريات، إذ مر 74 عاما لميلاد هذا اليوم وجاء ذلك لما عرفه العالم من تقلبات.
بثينة ناصري
حربان عالميتان خلفتا دمارا وكوارثا وكسادا عظيما ضرب العالم في ثلاثينيات القرن العشرين، وكي لا تتكرر مثل هذه الحوادث، أسس اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وكان القرار بعدم السماح بانتهاك آدمية البشر وحقوقهم في العيش بكرامة وعدم تعرضهم للعنف والعدوان، حيث تحيي الجزائر في كل سنة ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان كغيرها من الدول المصادقة له، كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يُظهر لنا أن حقوق الإنسان تعتمد كل منها على الآخر ولا تتجزأ، وإن جميع المواد في الإعلان تكتسي الأهمية نفسها ولا يجوز لأحد أن يقرر أن بعضها أكثر أهمية من بعضها الآخر، كما أن الحرمان من أحد الحقوق يؤثر سلبيا على جميع الحقوق الأخرى.

بيان أول نوفمبر وتحرير الشعوب
وفي ظل جهود ومساع حثيثة لترقية حقوق الإنسان على مستويات متعددة وهو ما يعكس إرادة الدولة القوية في هذا الإطار، ولتجسيد ذلك صادقت الجزائر على أغلب الاتفاقيات الدولية، كما كيفت تشريعاتها مع هذه القوانين، وتعتبر الجزائر من بين الدول الرائدة في ترقية وحماية حقوق الإنسان، وهذا منذ أيام الثورة التحريرية المباركة، التي لم تندلع فقط من أجل استرجاع حقوق الإنسان في الجزائر وتحقيق الاستقلال، بل طالبت من خلال بيان أول نوفمبر الخالد بتقرير مصير الشعوب، ونادت بتحريرها من قيود الاستعمار والعبودية، حيث أكد “العيد غلامي” أستاذ في كلية الإعلام والاتصال أن حقوق الإنسان في الجزائر مثلها كباقي الدول الأخرى، مشيرا إلى أن لائحة 1 نوفمبر التي نصت على حقوق الإنسان، من منطلق الدولة الجزائرية التي تعد اجتماعية بامتياز، وهنا لا يمكن أن نتجاهل مساعي الدولة الرامية للعيش الكريم خاصة فيما يخص الدعم والضمان الاجتماعي وهذا عبر ستين سنة من الاستقلال.
وتابع الأستاذ قائلا: “نجد في كثير من الأحيان نوعا من سوء التفاهم والاصطدام والانتقادات وهذا نتيجة عدم فهم خصوصية الدولة وعليه فإن حقوق الإنسان ترتكز على احترام شخصية الإنسان ومختلف الحقوق المنصوص عليها في الدستور الجزائري وعليه فإن حقوق الإنسان من المبدأ القانوني مضمونة انطلاقا من فلسفة الدولة الجزائرية وهذا هو الأساس”.
تعميق الممارسة الديمقراطية
وها هي الجزائر اليوم تواصل الجهود من خلال الدساتير التي في كل مرة تأتي بإضافات في مجال حقوق الإنسان وتكريس الديمقراطية، وإنشاء آليات دستورية لحماية هذه الحقوق، مثل المحكمة الدستورية، التي تسهر على الحفاظ على حقوق الإنسان وضمان احترام الدستور والمحافظة على استقرار عمل مؤسسات الجمهورية، وتعميق الممارسة الديمقراطية في الجزائر، بالإضافة إلى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، موازاة مع تعديل قانون الانتخابات الذي يحمي الحياة السياسية من المال الفاسد، وقد وسع الدستور من الحقوق والحريات المتعلقة بمؤسسات المجتمع المدني والمرتبطة بحرية الرأي والإعلام والتجمع والحق النقابي والحق في الإضراب وإنشاء الجمعيات المدنية والأحزاب السياسية، كما تمت دسترة المرصد الوطني للمجتمع المدني والمجلس الأعلى للشباب، كخطوة جديدة لتعزيز مشاركة المواطنين وتعميق قيم العدالة والديمقراطية، وفي ذات السياق صرح الأستاذ “العيد زغلامي” أن سلم “مازلو” الذي يحدد أولويات حاجيات الإنسان الذي هو في حاجة لمختلف مقومات العيش، حيث أن حرية التعبير تأتي في المرتبة الثانية، وهذه الأخيرة تكون وفق شروط الاحترام وعدم الإساءة وقد حدد دستور المعدل “2022 في المادة 54” قضية دسترة حرية التعبير فكان من الواجب تحديد النشاطات التي يمكن أن نعبر عنها.
فيما يبقى حرص الجزائر على احترام حقوق الإنسان والعمل على ترقيتها من المبادئ الثابتة في سياستها الداخلية وفي علاقاتها الدولية، من خلال مصادقتها على مختلف الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والتزامها بتجسيد هذه المبادئ وقيم حقوق الإنسان في دستورها وقوانينها الوطنية، والتقارير والتعاطي مع مسائل حقوق الإنسان، والمزيد يُنتظر دائما للوصول إلى مستويات أكبر ونجاحات أكثر.

ماذا يقول الدين الإسلامي؟
إن المتمعن في تلك الحقوق كما تضمنها ذلك الإعلان العالمي لا يجد فيها معارضة للدين الإسلامي ،ولذلك فإن الإسلام يقر ما تضمنه ذلك الإعلان من الناحيتين النظرية والعملية، لأن النظرة الإسلامية لحقوق الإنسان تنطلق من التكريم الإلهي للإنسان، أي أنه إقرار للكرامة الإنسانية، وهذا معنى دقيق وشامل لذا قال الله تعالى “((ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا))”، فتكريمه يستلزم الاعتراف بالحرية والعدل والسلام والحقوق الضرورية أو الحامية للحياة الإنسانية في العلم والتربية والعمل والكسب والانتقال وغير ذلك، وأكد الأستاذ “نصر الدين خالف” مفتش في مادة العلوم الإسلامية، أن الجزائر عرفت بتاريخها المشرق في دفاعها عن حقوق الإنسان في الماضي والحاضر، وكان ذلك بمعاهداتها التاريخية مع دول الجوار، أو في الوقت الحاضر بمشاركتها في تأسيس وتفعيل مختلف المواثيق والقوانين المتعلقة بحقوق الإنسان، فكان من باب أولى أن تراعي هذه الحقوق في دستورها ومختلف قوانينها المفعلة والمنظمة للمجتمع الجزائري، وهي تعتبر مثالا يحتذى به في هذا المجال وخاصة في العقود السابقة، وقال الأستاذ ” تتنوع حقوق الإنسان وهي متعددة المشارب، وتشمل مختلف جوانب حياة الإنسان، من حفظٍ لدينه ونفسه، عرضه، عقله وماله، وهي المقاصد الشرعية التي جاءت من أجلها الشرائع وراعتها حق رعايتها، ويمكننا القول أن حرية التعبير هي جزء يسير من تلك الحقوق الضرورية لكل إنسان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع ((أيُها النّاس، إنّ دماءكم وأموالَكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا..)).

جمعيات وطنية تنشر القيم والمبادئ
إن حماية الحقوق والحريات المنصوص عليها، أُدمجت في العديد من الدساتير الوطنية والأُطر القانونية المحلية، وأصبح معيارا للمواثيق العالمية لحقوق الإنسان التي ينبغي تعزيزها وحمايتها في جميع البلدان، ولا يزال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يشكل أساسا للقوانين والمعايير الوطنية والدولية، وبالنسبة لمختلف المنظمات والجمعيات الجزائرية التي تعتبر الإعلان مرشدا مُلهما لرسالتها ورؤيتها، حيث ويعد مرصد اليقظة لحقوق الإنسان والقضايا العادلة واحد من بين الجمعيات الوطنية الغير حكومية التي تسعى إلى تكريس الأهداف المسطرة في قانونها الأساسي والتي ترتكز أساسا على نشر وإشاعة قيم ومبادئ حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية طبقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، في إطار قيم المجتمع الجزائري والدستور والقوانين الوطنية، إذ اعتبرت السيدة “صفية حمور” رئيسة مرصد اليقظة لحقوق الإنسان والقضايا العادلة أن واقع حقوق الإنسان في الجزائر يعرف تطورا ملحوظا في الآونة الأخيرة، من خلال انتخابها كعضو في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وفوزها ب 178 صوتا والذي يعد فوزا عن جدارة واستحقاق، يؤكد التزامها الدولي تجاه حقوق الإنسان، وما يعكس مكانة الجزائر الحالية على المستوى الإقليمي والدولي ومدى الجهود المبذولة لتعزيز قيم ومبادئ حقوق الإنسان هذا التحسن الذي شهدناه بخصوص حقوق المرأة والطفل، فيما يخص التعليم ،الصحة وغيرها من الحقوق والحريات المهمة.
وأكدت رئيسة المرصد أن حقوق الإنسان، أن حقوقا تعتبر مُتأصِّلة في البشر جميعا، ولو اختلف جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو دينهم أو أصلهم العرقي أو الوطني أو أي أمر آخر، وقالت “من حقّ الجميع أن يحصل على حقوقه بصفته إنسانا دون تمييز، وتُعدّ جميع هذه الحقوق وحدة مترابطة لا تتجزّأ، والحق في حرية التعبير حق مهم وأساسي مثله مثل العديد من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي تعنى بحقوق الإنسان”.

واجب شرعي لحياة اجتماعية كريمة
إن جميع حقوق الإنسان تكتسي أهمية متساوية، ويتعين على جميع الحكومات أن تتعامل مع حقوق الإنسان على نحو عادل ومتساوي، ويقع على عاتق جميع الدول، بغض النظر عن أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية، وتحسبا لهذا الجانب النفسي والاجتماعي المهم في حياة الإنسان وجب الاستفسار عن حقوق المواطن الجزائري، من هذا المنظور حيث قالالسيد “عبد الحليم ماضي” دكتور في نفسي اجتماعي، أن الواقع الجزائري مازال في مواجهة تحديات الاحتياجات الأولى والثانية لكن مازال بعيدا عن تقدير الذات، مادام المواطن يشعر بعدم التقدير كإنسان بعيدا عن المناصب والنفوذ، وأشار ذات المتحدث إلى الحق في تحقيق الذات أي الحق في إبراز الفرد قدراته بكل حرية وقال “إن الطالب مازال لا يحق له اختيار التوجه الدراسي فما بالك في العمل والتجارة وحتى في الرياضة ويجدون متسع أكبر في بلاد الغربية خصوصا لتحقيق آمالهم والأمثلة يعرفها العام والخاص، لأنه قد يقول قائل هناك قوانين تحمي هذه الحقوق لكن الحقيقة غياب الآليات الفعالة في تطبيقها حال دون تحقيقها”.
وعليه فإن واجب تعزيز وحماية حقوق الإنسان للجميع، بدون تمييز خاصة من الجانب الاجتماعي، ولذا فإن ثمة مبدأً أساسيا واحدا يكمن خلف جميع الحقوق المنصوص عليها في الإعلان العالمي، وهو “أن لكل إنسان الحقوق غير القابلة للانتقاص نفسها”، وهذا يعني أن حقوق الإنسان هي نفسها حقوق كل رجل وامرأة وطفل في سائر أنحاء العالم بصرف النظر عن ظروفهم، حيث لا يجوز أن يكون هناك تمييز من أي نوع، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الميول أو هوية النوع الاجتماعي أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، وأضاف الدكتور يقول أننا نهاجم عقيدة المجتمع تحت شعار “حرية التعبير” أو نحارب الفطرة كما شاهدناه في قطر خلال المونديال والحملة الغربية للترويج للمثلية الجنسية التي تخالف فيها الطبيعة والدين لهذا المجتمع، كما أننا لا يجب أن نقمع حرية التعبير الناقدة للواقع الاجتماعي أو السياسي مالم تمس أمن وثوابت المجتمع.
إشكالية الآليات وليس القوانين
وتابع حديثه “إن مشكلتنا اليوم ليست مع القوانين بقدر ما هي مع الآليات حيث يقمع التلميذ في اختيار تخصصه من خلال آليات التوجيه التي تبعده بطريقة ذكية عن حريته في الاختيار، وعلى غرار ذلك فقد تتوفر آليات خفية في القمع أيضا في التوجيه وذلك عندما تجعل المعدل المطلوب للعلوم الإنسانية 10 والتخصصات العلمية 17 إذا هذا إيحاء أن هؤلاء أقل ذكاء َوالآخرون أذكياء وهذا القمع العصري بالمعتقدات”.
ورأى الدكتور من الجانب النفسي أن أدوات القمع تغيرت آلياتها حيث أصبحت تعتمد على برمجت الناس من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ولهذا قمعت المرأة باسم الحرية، فلما تحررت تحملت أكثر، والحقيقة لابد من الحديث عن الحقوق ومناقشتها بأبعاد مختلفة فلسفية دينية اقتصادية، ويجب التأكيد على مقولة لــ”سبينوزا” الداعية إلى “أن وظيفة الدولة ليست تعليم الناس وإنما ضمان حرية التعلم للناس وليست توظيف الناس وإنما حرية العمل عند الناس”، والدولة في الأساس تسهر طبعا على َضع الآليات لضمان سير تلك الحريات وتنفيذها.

مساندة الجزائر للقضايا الدولية العادلة
إن تفشي الفقر وعدم المساواة والتمييز الهيكلي من انتهاكات حقوق الانسان، من بين أكبر التحديات العالمية التي تواجه عصرنا، وتتطلب معالجتها بشكل فعال واتخاذ تدابير مترسخة في حقوق الإنسان وتجديد الالتزام السياسي وإشراك الجميع لا سيما الأكثر تضررا، وكانت الجزائر ولا تزال داعمة ومتضامنة مع القضايا الدولية العادلة خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصحراء الغربية، ورغم كل قرارات فإن الاحتلال الصهيوني، لم يحترم هذه اللوائح ولو لمرة واحدة، بالعكس يقوم بضم المزيد من الأراضي الفلسطينية والأمر كذلك مع الشعب الصحراوي الذي يقاوم الاحتلال دون أن يستفيد من حقه في تقرير المصير، وعلى غرار ذلك فإن الجزائر تدعم القضايا الدولية العادلة وتسعى لإيصال صوتها حول الحقوق المفقودة والمنتهكة لتحقيق الاستقرار، حيث أكد الدكتور “إدريس عطية”، أستاذ بكلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أنه من حق الشعب الفلسطيني أن يطالب بدولة ذات حدود، في حين أن العدالة المفقودة على مستوى الدولي أمام تغول الكيان الصهيوني، كونه وحش بارز في المنطقة العربية، ويريد أن يؤثر على السياسات العربية.
وأوضح الدكتور أن هذه التصرفات والانتهاكات جعل دولة الجزائر سواء من خلال القمة العربية أو كلمتها في القمة الصينية العربية، تؤكد على تبني موقف صارم وصريح لصالح الشعب الفلسطيني وقضية الصحراء الغربية العادلة التي ظلت مقيدة في مجال حقوق الإنسان، وقد حان الوقت للأمم المتحدة أن تبرز دورها من خلال هذه القضية والمرافعة لحقوق الإنسان الصحراوي أمام الاستنزاف الممنهج الذي يقوم به نظام المخزن في ظل الاعتقالات العشوائية والضربات العسكرية الخطيرة التي تضرب الأبرياء في المناطق الصحراوية.

