10
0
المحارب الاسبارطي …خالد الشاويش رهين المحابس

المحارب الاسبارطي …خالد الشاويش رهين المحابس
بقلم الأسير: رائد نزار عبد الجليل
اقترب مني أخي الأسير ناصر الشاويش وابتسامه عريضة ترتسم على وجهه، وبلهفة طفل حضن أمه قال لي: شقيقي خالد سوف يخرج اليوم من عزل سجن ألرمله وهو في طريقه إلينا هنا في سجن ريمون باركنا لبعضنا على هذا الخبر ،والذي سوف يخفف من ألمنا نحن الأسرى ،بشكل عام ومن ألم شقيقه خالد بشكل خاص،فنحن كنا نعيش حالة من العجز ،وقلة الحيلة التي سيطرت علينا أمام أوجاع وألام هذا المحارب الاسبارطي ،الذي لم يدخر شيئ من روحه وجسده منذ أن وعي نفسه مناضلاً في سبيل وطنه فخاض كل معارك وانتفاضات الشعب الفلسطيني التي عايشها ومن كل معركة وانتفاضة توشم جسده برصاص الاحتلال.
وفي ساحة السجن جلسنا ننتظره وبدأنا نستعد لاستقباله ،فجهز المكان وترتب الكلام في رؤوسنا،حتى نستطيع أن نواسيه ونخفف عنه ألمه ووجعه وفقدانه القدرة على الحركة إلا من خلال كرسي متحرك فهو يعاني من شلل نصفي بسبب ما تلقاه جسده من رصاص وهو يدافع عن عرين قائده العام ياسر عرفات . كنت في حالة من التوتر أدخلني في حاله من التخبط فأنا لم التقي من قبل بإنسان سجن جسده بعدة قيود ومحابس،فهو حبيس شلله وحبيس سجنه ،وحبيس عزله الانفرادي وحبيس أوجاعه وآلامه وان كان أبو العلاء المعري لقب برهين المحبسين بسبب سجنه وعماه ،فإن خالد الشاويش هو رهين المحابس.
يقترب الأسير رائد أبو سيريس ( الفضائي) من ناصر ويسير له قائلاً : لقد وصل أخوك خالد وهو الآن خلف هذا الباب الذي أمامك نستعد نضع قناع من الحزن الممزوج بشيء من التعاطف والرحمة وشيء من الشفقة المضمرة فنحن كنا نعتقد أننا سوف نستقبل إنسان أوصله حبسه المركب من سجن الجسد داخل جسده المشلول وعزله ووجعه وألمه إلى فقدان الأمل والرغبة في العيش ،كنا نعتقد واهمين أننا سوف نلتقي برجل تسببت له تلك العذابات إلى اختراق جسده وروحه بأمراض الكراهية والحقد واليأس.
دقائق ويدخل خالد شاويش من ذلك الباب الفولاذي السميك يجتمع عشرات الأسرى حوله فقد دخل لتوه ،يخيم الصمت على المكان ولم تخترقه غير صوت عجلات كرسيه المتحرك،وهو يتقدم نحونا ورغم جلوسه على ذالك الكرسي المتحرك إلا أنه شامخاً وقامته تعلو كل قاماتنا.
كان أول المستقبلين له شقيقه ناصر الذي احتضنه بقوه وأمطره بعشرات القبل على جبينه، وعلى رأسه ،وعلى يده تلك المسنودة بأربعة من علب التونة؟ نعم لقد قرأتم بشكل صحيح،وليس هناك خطأ في الطباعة فيد خالد الشاويش( صائد المستوطنين) والتي أصيب بها في أحدى المعارك وكادت تقطعها رصاصات الاحتلال الغادرة، ولكن الشهيد القائد ياسر عرفات كان كان واضحاً وصارماً،في تعليماته للأطباء الذين عالجوه اعملوا كل شيء حتى لأتقطع هذه اليد وفعلاً،تم عمل المستحيل ،حيث وضع قطعه كبيره من البلاتين ولم تقطع اليد الي أطلقت نارها باتجاه المحتلين ولكن وهو في عزله الانفرادي في مستشفى الرمله( سجن)حيث كان وحيداً إلا من دعاء والدته ورحمة ربه وعجزنا وقلة حيلتنا.
وفي أثناء محاولته لحمل نفسه بيده ليجلس على مقعد الحمام كسر البلاتين في يده، أطباء عيادة الرملة ( مستشفى سجن الرمله) قطعها ،فرفض خالد أن تقطع اليد التي أوصى بها ياسر عرفات خيراً ،فاستعان بعلب التونة فارغة، وثبتها على يده ،حتى تبقى منتصبة في وجه المحتل،وهكذا لم تغمد تلك اليد لتبقى مشهره بوجه العداء.
تنقشع رويداً رويداً أجساد الأسرى التي أحاطت به فهو بنسبه للأسرى،نصف أسطوره ،ونصف مقدس فعملياته الفدائية ومعاركه مع جنود الاحتلال هو ورفاقه أحمد غندور،ومهند أبو الحلاوه كانت تروى وتتناقلها الألسن كروايات وخرافات شعبيه ،اقتحم بيسان وكمن في عيون الحراميه ،وهاجم في سردا،وكان الفدائي المغوار في التله الفرنسية وقاوم في رام الله وتصدى للاحتلال في جنين،فهو من جعلوا من الموت أسلوباً عسكرياً . ينهي الجميع مراسم استقبال الاسطوره الوحيدة والمنفردة الي ما زالت حيه بيننا ونستطيع أن نلمسها ونشاهدها فغالباً لاتصبح الاسطوره في بلادنا أسطوره إلا أذا كانت تحت التراب . اقتربت منه الصفحة دون أن اقبله خوفاً من أن تتسبب له بمزيد من الألأم ،ثم تصافح ابنه المناضل عناد الذي وبخشوع يجر كرسي والده المتحرك الذي أهداه إياه أخيه الأسير المريض ناصر ابو حميد. نعم لقد أهدى ناصر ابو حميد كرسيه المتحرك لأخيه في الوجع قائلاً له: أنت أحق به مني فأنا مازلت قادرا ً على الوقوف إلى حين،ولكن ناصر الآن لايقدر على الوقوف،وينتظر ساعته للقاء ربه
بوسط ساحة السجن يستقر كرسيه المتحرك ،عندها فقط استطعت أن أشاهد وجه ،فاندهشت من تلك الابتسامة الراضية والتي كانت أقرب إلى ابتسامة طفل لم تحملهُ الحياةُ شيء من همومها وحين بدأ حديثه تمنيت أن لا يكمل ويصمت ولو قليلاً ،وحين لم تتحقق أمنيتي حاولت الانسحاب من مجلسه لأن حديثه عرانا وكشفنا أمام أنفسنا وجعلنا نخجل مما ندعيه بأنه وجع وألم ،فهو رغم ما هو فيه من محابس . متفائل ،ومتصافح مع ذاته ،وأوجاعه ،بل أنه كان متفهم لعجزنا وقلة حيلتنا ولم يحملنا مالا طاقة لنا به،ولكن الكثر قسوة كان يتحدث عن فلسطين وعن أهمية التضحية من أجلها بكل غالي ونفيس ،كان يتحدث وكأن الحياة لم توجعه أو كأنه لم يخسر نصف جسده ونصف عمره،واستبدل لذة الحياة بوجعها وألمها وإن صار وسمعت صوته وهو يتحدث دون أن يعرف عن نفسه فسوف تظن أن من ينظر لهذه التضحية هو شخص يسكن في إحدى فنادق قطر أو يجلس وراء مكتب من مكاتب الوزارات في رام الله،ولكن كيف يستطيع إنسان أن يكون بهذه الروح وبهذه النفسيه؟
عندها سقط قناع التعاطف والرحمة الذي لبسته على وجهي والذي اكنساه علامات الخجل والحياء،بعد أن كنت معتداً بنفسي وبأوجاعي وتضحياتي في سبيل شعبي ووطني ،افقدني خالد الشاويش هذا الشعور وجعلني أراجع من جديد مفاهيمي عن الوجع والعذاب وعن معاني التضحية وبذل الروح والنفس والجسد في سبيل الأوطان.
ورغم ما أنا فيه من نعمة الصحة والعافيه فأنا أشكو وأتذمر وهو رغم ما فيه يشكو وبحمد ويبتسم.
لقد أصبح من المستحيل علينا بعد اليوم أن نتحدث عن أوجاعنا وعذاباتنا فنحن كلما وقعت عيوننا على هذا المحارب الإسبارطي ،كلما زاد خجلنا مما قدمناه في سبيل الوطن. وأخيراً دعوني أسأل سؤالاً لمن يقرأ هذا المقال أو نص سميه كما شئت: أذا كنا نحن الأسرى أخوة القيد والعذاب لخالد الشاويش والذين مضى على أسرنا أكثر من عشرين عاماً خجلنا من وجه وألمه وعذاباته ،فماذا عنك أنت أيها الجالس بين أهلك وأحبتك؟ ولا تلف يدك بعلب التونة الفارغة ولا تجلس على كرسي متحرك داخل زنزانة، ما هو شعورك ؟وماذا فعلت لأجله وهو يقدم ما يقدم لشعبه ووطنه ؟ألا…….تخجل؟

