9
0
الدكتورة والمترجمة فوزية العشماوي..رحيل صامت مخلفة مكتبة نادرة

الدكتورة والمترجمة فوزية العشماوي..رحيل صامت مخلفة مكتبة نادرة
محمد مصطفى حابس : جينيف / سويسرا
﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ*أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره وببالغ الحزن والأسى، تلقينا مساء اليوم خبر وفاة الأستاذة الدكتورة فوزية العشماوي، المصرية المقيمة في سويسرا منذ عقود، وقد نقل لي الخبر، زميلنا الدكتور يشار شريف دمادوغلو، نائب المفتي في اليونان، نقلا عن بعض معارفها في دول الخليج، لا أدري تحديدا، أين توفيت و أين جثمانها- رحمها الله، علما أن هواتفها في جنيف لا ترد، وقد تأكد لي الأمر هذه الليلة، لما قرأت نعي إحدى المؤسسات التي كانت تتعاون معها في المشرق..
فالدكتورة فوزية العشماوي- رحمها الله، أديبة وباحثة، كانت أستاذة بمعهد اللغة العربية والأدب العربي الحديث بجامعة جنيف السويسرية، بحيث حصلت على درجة الدكتوراه في الأدب العربي، من جامعة جنيف، عام 1983 بعنوان “تطور المرأة والمجتمع المصري المعاصر”، بعد حصولها على درجتي الليسانس والماجستير من الجامعات المصرية.. عملت مترجمة ومستشارة لدى بعض هيئات الأمم المتحدة بسويسرا وكذا لدى كل من الإيسيسكو و اليونسكو، كما عملت مستشارة ثقافية لدى سفارة السعودية وسفارة الإمارات بجنيف.
ألفت الدكتورة العشماوي وترجمت ما يقرب 20 كتابًا باللغة الإنجليزية والفرنسية والعربية من ضمنها: “صورة الإسلام و المسلمين في المناهج الدراسية في الغرب” و” صورة المرأة المسلمة في الإعلام الغربي” و ” منابع تاريخ الأديان” و ” المرأة العربية بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي”، كما صدرت لها عدة مؤلفات أدبية، منها “أمواج العمر بين بحر إسكندرية وبحيرة جنيف ” و”المرأة في أدب نجيب محفوظ” و ” الغربة في الوطن: مجموعة قصصية” و” تطور المرأة والمجتمع في مصر المعاصرة من خلال روايات نجيب محفوظ (1945-1967). كما ترجمت أعمال أخرى للغة الفرنسية منها “رواية ميرامار” لنجيب محفوظ وترجمت كتاب “الزواج والطلاق في مصر القديمة”. تناولت الدكتورة العشماوي في كتبها دور المرأة في الثقافة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام و غيرها من الأبحاث، آخرها كتابها : ” المرأة في الخطاب القرآني”، الذي أهدت نسخة منه لصاحب هذه السطور في أحد لقاءاتنا معها في صيف 2020، وقد نشرنا الحوار بالعربية و الفرنسية في أوروبا، و نقلته أيضا الصحافة الجزائرية، منها على سبيل المثال لا الحصر: يومية الحوار و أخبار اليوم وأسبوعية البصائر و جرائد أخرى، و كان الحوار بعنوان: الدكتورة فوزية العشماوي أديبة وخبيرة البحث والترجمة، في حوار شامل عن حال المرأة والإسلام والمسلمين في الغرب..
كما نشرناه بالفرنسية في الجزائر جريدتي
المرحومة كانت تقدر الجالية المسلمة وتهتم بها، وكانت تخبرني من حين لأخر حول نشاطاتها الثقافية والتربوية وصراعها مع جامعة جنيف والحجاب، وكنا نلتقي من سنة لأخرى في ندوات أوروبية خاصة في فرنسا وبلجيكا، وكانت تقدرني كثيرا و تحترمني كأني أبنها، وقد أخبرتني يوما أنها تخشى أن ترحل عن هذه الدنيا الفانية و في ذمتها مشروع لم تجد له حلا بعد!! وأخبرتني أنها تخشى بعد وفاتها أن تضيع مكتبتها الضخمة التي بها كنوز مكدسة منذ سنوات وكذا مكتبة المرحوم زوجها، إذ تخشى أن تمنح هذه الكنوز لجهة قد لا تستفيد منها كما ينبغي أو ترمى بعضها في سلات المهملات- لا قدر الله !!
فأخبرتها أني أعرف جمعيات إسلامية سويسرية و أوروبية كجمعية الشيخ بوزوزو بجنيف وجمعية الشيخ زايد في زيوريخ ومسجد الدعوة في باريس، قد تستفيد من كتبها هذه المؤسسات، كما استفادت من قبل من مكتبة الشيخ محمود بوزوزو رحمه الله، فاعترضت مبتسمة قائلة لي:” مكتبتي بها مراجع كبيرة ونفيسة ومتخصصة في العلوم الشرعية و الآداب العربية و الغربية بلغات شتى منها خصوصا فيها ما هو بالعربية والفرنسية والانجليزية، وأنا أفضل أن يستفيد منها طلبة وأساتذة جامعة عربية كبيرة محترمة !!”
هنا اقترحت عليها، أن نرسل كتبها لمكتبة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، أو إلى المكتب الرئيسي لجمعية العلماء في الجزائر أو المركز الثقافي الإسلامي في العاصمة التابع لوزارة الشؤون الدينية، فرحبت بالفكرة وشكرتني على اهتمامي بالموضوع، وأعطتني موافقتها المبدئية أن أجتهد من جهتي و أعود إليها بعد أسابيع..
من جهتي أخذت الأمر بجد وحزم، وانطلقت في التواصل مع بعض أساتذتنا في الجامعة الإسلامية بقسنطينة أولا، ثم وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في عهد الوزير محمد عيسى ثانيا، وكذا تواصلت مع بعض مسؤولي جمعية العلماء، ثالثا.. لن أطيل عليكم، لم أرى من هذه الهيئات الثلاث إلا التسويف واللامبالاة من شهر لأخر، حتى حل علينا صيف 2020، لما التقينا لتسجيل الحوار، ووعدتها رغم ذلك أني سأكثف جهودي قصد التواصل ببعض الزملاء في الجزائر خلال العطلة، لكن لا حياة لمن تنادي، رغم ذلك لم تغضب علي كما غضب علي المرحوم محمدي السعيد المعروف بالعقيد سي ناصر في قضية مشابهة في نهاية ثمانينات القرن الماضي، بل من طيبتها وتقديرها لمجهودي، أرسلت لي دعوة للحضور للمعرض الدولي للكتاب في مصر أين توقع كتابا جديدا لها، ثم عادت لسويسرا وزودتني بقصاصات جرائد مصرية وخليجية كتبت عنها وعن نشاطها في تلك الفترة، وما هي إلا أسابيع و يباغتنا وباء كورونا ..ليقعدنا عن كل حركة وتنقل، بل ويشل كل الحياة الثقافية لأزيد من سنتين.
و اليوم بعد رحيلها – رحمها الله – سيذكر رواد المساجد السويسرية قصتها المثيرة مع إدارة الجامعة في ما يخص مظهرها الخارجي الذي كان يزينه ما يسمى بالحجاب أو الزي الشرعي الساتر على الأصح، يوم وقفت معها جل المساجد في إصرارها على زيها الشرعي، وكان الكثيرون فخورين بذلك الإصرار المبدئي ولو مرحليا.
رغم كل ذلك، فأوّل ما يستوقّـف المرء وهو يحاول الإحاطة بأبعاد هذه الشخصية ذات التجربة الثرية المتنوعة، مسألة الهوية الثقافية والحضارية، التي تتجلى بعض مؤشراتها أحيانا في المظهر أو الهندام الخارجي للإنسان، وخاصة إذا كان الإنسان امرأة، فلم تجد بدا من الامتثال للواقع المر، فحاولت التحايل عليهم قدر المستطاع، حتى التقاعد!
ومما أحزنني اليوم أنني لم أجد معلومات أخرى عن هذه السيدة الأستاذة الفاضلة التي كانت تعيش لوحدها، فهواتفها لا ترد ولا أملك هاتف إحدى بناتها، وماذا سيكون مصير مكتبتها الضخمة، لأعز أهلها في مصر أو في سويسرا و أكتب عنها كلمة تليق بمكانتها ودورها في العقود الأخيرة، وفي المسيرة التربوية والثقافية لهذه السيدة المناضلة التي عمرت عقودا!!.
فلا نملك إلا الدعاء، فاللهم اغفر للأستاذة الدكتورة فوزية العشماوي، وتغمدها برحمتك الواسعة، وأفسح لها مقاما يليق بها في جنتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأفرغ صبرك على أهلها وطلبتها، وأحسن عزاءهم، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الرحمين. وإنا لله ما أعطى وله ما أخذ، و ( إنا لله وإنا إليه راجعون).

